الجمعة، 23 أغسطس 2019

رسالة من العالم الآخر... من أرشيف مقالاتي القديمة


مخربشات
رسالة من العالم الآخر...
عماد أبو غازي
إحساس غريب أن تصلك رسالة من العالم الآخر، رسالة من صديق راحل، هذا ما واجهته اليوم عندما كنت أتصفح صندوق بريدي على الفيس بوك.
لدي حسابين على الفيس بوك، منهما واحد لا أستخدمه كثيرا، لي عدة شهور لم أتصفح صندوق بريدي فيه، حتى تجاوزت الرسائل غير المقروءة ثلاثة آلاف رسالة، اليوم قررت أن افتح الرسائل ربما يكون فيها شيء مهم يمكن تداركه أو لم يفت موعده بعد، كانت أغلب الرسائل إعلانات عن أنشطة أو رسائل من مجموعات من تلك التي أشترك فيها، مسحت أغلب الرسائل فهي تخص أنشطة فات موعدها، ومعظمها وصلتني على حسابي الأساسي الذي أتصفحه بانتظام.
 عندما وصلت إلى الرسائل الواردة في شهر أبريل، استقبلني وجهه بابتسامته البشوشة التي اعتدها منه دائما، رسالة من الصديق الراحل الأديب والمهندس محمد عبد السلام العمري، الذي توفي فجأة منذ أسابيع قليلة، فتحت الرسالة المؤرخة في 22 أبريل الماضي بسرعة، كان يقول فيها:
 "حمد الله على سلامتك ، والحمد لله الذي شفاك من رهاب الطائرات أدعوك للمشاركة في إلقاء شهادتي الروائية والثقافية التي سألقيها في دار الكتب والوثائق القومية مساء الأربعاء الموافق 28 أبريل الجاري، أعتقد أنه موضوع يهمك".


 شعور غريب أن تأتيك رسالة من العالم الآخر، خصوصا عندما تكون رسالة من صديق تحبه وتقدره، وتشعر أنه غاب فجأة بلا مقدمات.
 أقول لصديقي محمد عبد السلام العمري: لو كنت فتحت الرسالة يوم 22 أبريل كنت رديت عليك وقلتلك:
 "صديقي العزيز: الله يسلمك، بس أنا لسه راجع من السفر حالا، كأنك عارف ميعاد وصول الطيارة، الرسالة وصلت مع وصولي أرض الوطن، بعد ما قعدت عالق في لندن بسبب بركان أيسلندا لمدة أسبوع، وفعلا أنا با حمد ربنا إنه شفاني من رهاب ركوب الطائرات، بعد ما ضيعت خمسين سنة من عمري تقريبا من غير سفر، ما خرجتش فيهم من مصر غير مرة واحدة بس، دلوقتي باحاول أعوض كل اللي فاتني، ما فيش فرصة سفر بتجيللي وأضيعها، ورغم أني كنت حبيس البركان هناك في إنجلترا، لكن كنت مستمتع جدا، ومش ها رجع أخاف تاني من الطيران، المفروض إني كنت أرجع بطريق البر إلى جنوب أوروبا يوم السبت ومن هناك أركب الطائرة، لكن الأجواء اتفتحت ورجعت مباشرة، وبما أني رجعت لازم أحضر الشهادة بتاعتك هنتقابل في دار الكتب، كان عندي رحلة تانية الأسبوع الجاي لكن أكيد ها لغيها، صعب أسافر تاني بعد أسبوع الأجازة الإجبارية، أنا حريص أحضر الشهادة بتاعتك، لأنه أكيد يهمني موضوعها طبعا، يهمني لأني عارف إن لك آراء مهمة في حياتنا الثقافية وفي كتير من ظواهرها، ولأني باحب أسمع آرائك الجريئة والمختلفة مع السائد عادة.
سلام، وإلى اللقاء يوم الأربع اللي جاي".
 بس خسارة ما عرفتش وما حضرتش، والدعوة ما شفتهاش للأسف غير بعد الميعاد.
 كنت قد ألتقيت به قبلها بأسبوعين تقريبا لدقائق معدودة، مر عليّ ليترك لي كتابا من كتبه، لم يقل لي على الشهادة، وكانت المرة الأخيرة التي ألقاه فيها، بعدها بأسابيع قرأت نعيه، وذهبت للعزاء فيه.
 عرفت محمد عبد السلام العمري منذ ما يقرب من عشرين عاما، كان اللقاء الأول في منزل الروائي الكبير علاء الديب، تعرفت عليه مهندسا وروائيا، كان قد صدر له عمل جديد وقتها، أظنه "شمس بيضاء"، أهداني نسخة من العمل، من يومها تواصلت علاقتنا، نتقابل على فترات متباعدة، لكن دوما كانت تشدني إليه الرحابة التي تميزه والود الذي يغمر به المحيطين، لم يكن شخصا تقليديا تمر به مرورا بلا أثر، بل دائما ما يترك علامة بأفكاره وآرائه الجريئة، كانت له دوما آراء تدفعك للتفكير، آراء في القضايا الثقافية بشكل عام وفي العمارة التي هي تخصصه الأساسي قبل أن تصبح موهبته الأدبية هي المدخل لعلاقته بعالم الثقافة. ترك العمري قرابة خمس عشرة مجموعة قصصية وعملا روائيا، ما بين مجموعته الأولى إلحاح التي صدرت سنة 1987 ورحيله المفاجئ عن عمر يقارب الستة وستين عاما، ورغم اتجاه للإبداع الأدبي لم يترك الاهتمام بالعمارة تخصصه الأساسي، فكتب عن عمارة حسن فتحي كتابه "عمارة الفقراء أم عمارة الأغنياء"، الصادر سنة 1992، وكان "عمارة الأضرحة" أخر كتبه التي صدرت قبيل رحيله، وقد استعرض فيه عمارة مجموعة من أهم الأضرحة وأشهرها في العالم، ويا لها من مصادفة غريبة أن يكون آخر أعماله حول مساكن الموتى.
 وأنا أختم هذا المقال تلقيت اتصالا هاتفيا من ابنته رحاب تدعوني لحضور ندوة عنه باتحاد الكتاب بالقلعة!
الدستور 25 أغسطس 2010

فاطر رمضان... من أرشيف مقالاتي القديمة


مخربشات
فاطر رمضان
عماد أبو غازي
 نشرت جريدة الأهرام يوم الأحد الماضي 15 أغسطس في صفحة الحوادث خبرًا عن الجولات التفقدية الرمضانية التي يقوم بها السيد اللواء إسماعيل الشاعر مساعد أول وزير الداخلية لقطاع أمن القاهرة، والخبر في عمومه عادي، فالرجل دائم التجوال في شوارع العاصمة من أجل تطبيق القانون وتحقيق الانضباط في الشارع المصري، وهذا جهد محمود ومشكور، ولأني من سكان وسط البلد ألاحظ يوميًا انقلاب حالة الشارع من الفوضى إلى الانضباط والنظام لمجرد المرور العادي المتوقع للواء إسماعيل الشاعر، فالرجل لا يتهاون في تطبيق القانون، ومن الطبيعي في الأيام الأولى لرمضان أن تزداد هذه الجولات التفقدية للواء إسماعيل الشاعر لمواجهة الاضطراب الذي يشهده الشارع في الشهر الفضيل، لكن اللافت للنظر في الخبر المنشور في جريدة الأهرام عنوان الخبر الذي يقول: "إحالة سائقين للنيابة بتهمة التدخين في نهار رمضان"، وفي متن الخبر: "وقد قام اللواء الشاعر بتطبيق القانون على المدخنين المفطرين في شهر رمضان، وإحالة سائقين إلى النيابة عندما لاحظ سير سيارتين ميكروباص متجاورتين بمنتصف الطريق ويقوم قائدهما بتبادل السجائر بالتناوب بينهما من شباك السيارة".


 لقد ارتكب السائقان مخالفة حقيقية أهم من تدخينهما السجائر، أو تبادلها، في نهار رمضان، وهي مخالفة تعطيل حركة المرور، إذا دخن السائقان في نهار رمضان فلن يضر هذا أحدًا غيرهما، دينيًا، وإذا دخنا في أي نهار فهما المضاران بالدرجة الأولى دنيويًا، إلا إذا كان في الميكروباص وهو وسيلة نقل عام ركابًا من غير المدخنين، فهم أيضًا مضارون من تدخين السائق، وكان من الممكن أن يحيل مدير أمن العاصمة السائقين إلى النيابة العامة بتهمة التدخين في وسيلة نقل عام، أو يحيلهما إلى النيابة بتهمة تعطيل حركة السير في الشارع بسيرهما متجاورين ببطء بمنتصف الطريق، مما يعيق حركة السير، وهي مخالفات صريحة يعاقب عليها القانون بوضوح، وهي مخالفات متكررة كل يوم في شوارعنا، فالتدخين في وسائل النقل العام يتكرر على مدار العام دون حساب، وتعطيل سير المرور لتبادل السجائر، أو لتبادل الحوار، أو للسؤال عن "الفكة"، يحدث كل يوم وكل ساعة، فهل إذا حدث هذا في شوال أو في ذي الحجة أو في رجب لن يحاسب السائقين المخطئين؟
 تعيد هذه الواقعة إلى الأذهان ما نشرته الصحف في رمضان من العام الماضي عن قيام عدد من ضباط الشرطة في بعض مدن محافظة أسوان من ملاحقة المفطرين في الشوارع وتحرير محاضر "جهر بالإفطار" لهم، ثم دفاع مصادر في وزارة الداخلية عنهم في مواجهة الانتقادات التي تعرضوا لها على اعتبار أنهم يطبقون نصوص القانون.
 كما تعيد للأذهان أيضًا ما تردد على بعض مواقع الإنترنت منذ عدة شهور حول قيام بعض الضباط في مدينة الغردقة بملاحقة الفتيات اللاتي رأى السادة الضباط أنهن يرتدين ملابس غير ملائمة من وجهة نظرهم، وتحرير محاضر لهن.
 وتعيد للأذهان أيضًا مصادرة الشرطة لبعض الأعمال الأدبية باعتبارها خارجة عن الآداب وإحالة مؤلفيها وناشريها للمحاكم.
 قد تكون نصوص القانون تحمل في طياتها مواد أضيفت في غفلة من الزمن، تحاسب المجاهر بالإفطار، لكنها نصوص تتعارض بشكل واضح مع الدستور ومع مواثيق حقوق الإنسان، التي تجعل من حرية العقيدة قيمة عليا، كما أنها نصوص قانونية تدخل في صميم ضمائر البشر وتحاسبهم على الأمور التي لا يحاسبهم عليها إلا الله سبحانه وتعالى، والصيام من بين العبادات والفرائض، عبادة وفريضة لا تعرف الرياء، فالصائم لا يصوم للناس، ولا يطلع على سريرته وحقيقة صيامه إلا الله، وملاحقة الشرطة للمفطرين فضلًا عن أنها تعدي على الحرية الشخصية، فإنها تشجيع على الرياء الاجتماعي، فلو أخفى المفطر حقيقة أمره خوفًا من الشرطة لا مخافة لله فهذه قمة الرياء.
 خلاصة الأمر إننا أمام ظاهرة خطيرة تتحول فيها مؤسسة مدنية من أهم مؤسسات الدولة، هي جهاز الشرطة، إلى ما يشبه هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى هيئة تقوم بعمل المطوعين، في ملاحقة من تراهم خارجين عن الدين، الأمر الذي يخرج بالضرورة عن اختصاصها ويضرب في أسس الدولة المدنية في مصر.
 وإذا كانت أحداث العام الماضي في أسوان قد قام بها بعض الضباط، فإن ما حدث هذا العام جاء على يد مدير أمن العاصمة شخصيًا، بما لوظيفته التي يشغلها من وضع مهم في جهاز الشرطة، وبما له هو شخصيًا من مكانة لدي الكثيرين، الأمر الذي يضيف على الحدث أبعادًا جديدة.
الدستور 18 أغسطس 2010 

الأربعاء، 31 يوليو 2019

هل ستنعقد القمة الثقافية العربية حقا؟ من أرشيف مقالاتي القديمة


مخربشات
هل ستنعقد القمة الثقافية العربية حقا؟
عماد أبو غازي
 
 من التوصيات المهمة التي انتهى إليها لقاء بيروت التحضيري للقمة الثقافية في يوليو الماضي، تلك التوصيات التي تتعلق بإعلاء القيم الإنسانية وحوار الثقافات، وفي هذا الصدد أوصى اللقاء بضرورة أن تتبنى القمة الثقافية العربية، إنشاء معهد عربي لحوار الحضارات، وإنشاء مؤسّسة لتدريب الشباب على الحوار وجدوى احترام القيم الإنسانية، انطلاقاً من اعتبار أن الحفاظ على القيم مسؤولية أساسية من مسؤوليات الدولة، ويجب رعاية ذلك والعمل على تحقيقه؛ وكذلك العمل على وضع معجم موسوعي عربي لتحديد سلم القيم النظرية الإنسانية العقلية والدينية لتكون مرجعًاً أساسيًا في برامج التعليم من ناحية، ولكافة فئات المجتمع من ناحية أخرى.
 وفي هذا السياق أيضا أوصى اللقاء بتأسيس وقفيات وطنية في جميع الدول لدعم مؤسّسات المجتمع المدني ومراكز البحوث التي تعمل على الحفاظ على القيم المجتمعية والوطنية لضمان الدعم الدائم لمثل هذه المؤسسات، مع ضرورة التعاون بين المؤسّسات الدينية والمؤسّسات المدنية من أجل تعزيز القيم المدنية والدينية وإيجاد توازن بينها.
 كما انتبهت التوصيات إلى أهمية العمل على جعل منظومة القيم المجتمعية والوطنية جزءًا من مناهج المراحل الدراسية المختلفة؛ وإدراج قيم احترام التعدّدية والتنوّع وحقّ الاختلاف داخل المجتمعات العربية في المناهج التربوية والأنشطة الإعلامية انطلاقًا من اعتبارها مصدر غنى وليس مصدر أزمات.
 وعلى صعيد آخر دعى اللقاء القمة إلى تبني العمل على وضع آلية للحوار بين القيادة السياسية ومثقفي ومفكري الوطن بشكل دوري لتحقيق تعاون مشترك لخدمة الوطن.
  ولم تقتصر التوصيات على الاهتمام بالحوار مع الآخر المختلف في الغرب والشمال، بل تبنت كذلك أهمية فتح حوار معمّق مع الثقافات الآسيوية التي أقامت معها الثقافة العربية تاريخًا طويلًا من التفاعل الثقافي، والاستفادة من تجربة تلك الدول الشرقية التي نجحت في إقامة التوازن الثقافي بين الأصالة والمعاصرة.
 أما موضوع السوق الثقافية العربية فقد احتل حيزًا مهمًا من التوصيات، دارت حول ضرورة العمل على مراجعة كافة الوثائق المتصلة بالعمل الثقافي العربي المشترك وتحديثها وتفعيلها، خصوصًا أن هناك عديد من الاتفاقيات التي تحتاج إلى أن تفعل وتدخل حيز التنفيذ، ومشروعات الاتفاقيات التي تحتاج إلى إقرارها في مجالات السوق الثقافية والصناعات الثقافية، وقد عملت على هذه الاتفاقيات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم منذ سبعينيات القرن الماضي، وقدمت الكثير في هذا الصدد، ويحتاج الأمر إلى قرار سياسي كي تدخل مثل هذه الوثائق إلى حيز التنفيذ.
 وقد دعت التوصيات كذلك إلى اتخاذ إجراءات متعددة على مستوى الدول العربية مجتمعة وعلى المستوى القطري، مثل: الدعوة إلى إنشاء مركز معلومات للإنتاج الثقافي العربي والصناعات والخدمات المتصلة به، وإنشاء صندوق للتنمية الثقافية يدعم الإنتاج الثقافي، ويشجّع على الاستثمار في الصناعات والخدمات الثقافية، وإنشاء مصارف عربية متخصّصة تعمل على دعم الاستثمار في الصناعات الثقافية وفق معايير الجودة، وتأسيس شركات عربية للتوزيع، برأسمال أهلي، وتوجيه الأقطار العربية إلى إصدار تشريعات تسهم في تعزيز الاستثمار في هذا المجال، وإعطاء معاملة تفضيلية لصناعة الكتاب في الوطن العربي من خلال التشريعات الضريبية والجمركية، مع اهتمام خاص بصناعة الكتاب الرقمي والاهتمام برقمنة كتب التراث العربي ونشرها في هذا الوعاء الإلكتروني، وإقامة صناعة عربية للورق برأس مال مشترك، كجزء من حماية الأمن الثقافي العربي، ودعم صناعة السينما وأنواع الإنتاج الفني الأخرى، مع تشجيع الاستثمار في هذا المجال، وتقديم التسهيلات والحماية اللازمة لها، وإنشاء مراكز تحديث وتطوير للصناعات الثقافية في الأقطار العربية، وذلك لبناء القدرات الذاتية للمؤسّسات العاملة في هذا المجال، بالتركيز على التدريب والاستشارات ونقل الخبرات.
 ثم الدعوة إلى زيادة الموارد المخصّصة للثقافة في كلّ قطر عربي، وإلى تنقية التشريعات الوطنيّة، خصوصاً في مجاليّ الضرائب والجمارك، من كلّ ما يعوق مسيرة الإنتاج الثقافي، والعمل على تحفيز الوظيفة الثقافية لرأس المال الخاص ومؤسسّسات المجتمع المدني لتوجيه جزء من استثماراتهم وجهودهم إلى المجال الثقافي.
 كما ترددت في اللقاء الدعوة إلى عقد "قمة" شعبية موازية تضم ممثلين
للمثقفين والكتاب والمبدعين، ولروابطهم ونقاباتهم ومنظماتهم المختلفة، وممثلين للقطاعات الفنّية وقطاعات الإنتاج والتوزيع، وللقائمين على الصناعات الثقافية بشكل عام.
 لكن يبقى السؤال قائم بعد هذا كله، هل ستنعقد قمة ثقافية عربية حقا؟
 الدستور 4 أغسطس 2010

القمة الثقافية العربية... من أرشيف مقالاتي القديمة


مخربشات
القمة الثقافية العربية
عماد أبو غازي
 شهدت العاصمة اللبنانية بيروت يومي 13 و14 يوليو اجتماعًا تشاوريًا للإعداد للقمة الثقافية العربية، التي يفترض أن تعقد في العام القادم، عقدت الاجتماعات بدعوة من مؤسسة الفكر العربي، وشارك فيها قرابة مائة وعشرون مثقفًا من ثمانية عشر بلد عربي، ومؤسسة الفكر العربي وهي مؤسسة أهلية عربية أسسها الأمير خالد الفيصل منذ عشر سنوات واتخذت بيروت مقرًا لها، كانت قد تبنت الدعوة إلى عقد قمة ثقافية عربية، تلك الدعوة التي أطلقها الدكتور مصطفى الفقي عضو الهيئة الاستشارية للمؤسسة منذ عام تقريبًا في أحد مؤتمراتها الثقافية، ومنذ ذلك الحين تسعى المؤسسة ورئيسها الأمير خالد الفيصل لتحويل الدعوة إلى حقيقة واقعة من خلال التنسيق مع الأمانة العامة لجامعة الدول العربية.


 وكان اتحاد الكتاب والأدباء العرب الذي يرأسه الكاتب المبدع الأستاذ محمد سلماوي قد تبنى دعوة مماثلة في نفس الوقت تقريبًا، واتخذ الاتحاد هو الآخر خطوات عملية في اتجاه الدعوة لعقد القمة، وفي المؤتمر الأخير للاتحاد بمدينة سرت الليبية عرض مجلس الاتحاد ورئيسه الفكرة على الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي فتبنتها القمة العربية الأخيرة التي عقدت في سرت، وبات من المحتمل أن تنعقد قمة عربية ثقافية على غرار القمة الاقتصادية العربية التي عقدت مؤخرًا.
 ومن هنا فقد بات من الضروري أن تبدأ اللقاءات التشاورية للإعداد لجدول أعمال القمة الثقافية، ولتقديم المقترحات ومشروعات القرارات ومسودات الاتفاقيات التي يرى أصحاب الشأن أن على القمة العربية الثقافية أن تتبناها.
 وأصحاب الشأن هنا هم بالطبع المبدعون من ناحية ومؤسسات العمل الثقافي من ناحية أخرى، سواء المؤسسات الحكومية أو الأهلية أو الخاصة.
 وقد شهدت الأسابيع الأخيرة اجتماعين تحضريين، عقد الأول في القاهرة بدعوة من اتحاد الكتاب والأدباء العرب، وحضره ممثلون لاتحادات الكتاب في الدول العربية، وممثلون لبعض المنظمات النقابية الثقافية العربية، وعدد من المثقفين.
 أما الاجتماع الثاني فكان اجتماع بيروت الأخير الذي دعت إليه مؤسسة الفكر العربي، وشهد تمثيلًا للمسؤلين الثقافيين الحكوميين في عدد من الدول العربية، ولجامعة الدول العربية وللمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، إلى جانب رؤساء الاتحادات العربية، وممثلين لبعض منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال الثقافة، وعدد كبير من المبدعين والمثقفين العرب.
 وقد انقسم الاجتماع بعد الجلسة الافتتاحية إلى ثمان لجان عمل، ناقشت كل لجنة قضية ثقافية وانتهت فيها إلى توصيات محددة، ومن جماع هذه التوصيات جاءت الوثيقة الختامية للاجتماع، والتي أعلنها الدكتور سليمان عبد المنعم الأمين العام لمؤسسة الفكر العربي، وأعلن أنها سوف ترفع للسيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية.
 أما هذه اللجان الثمانية فهي: لجنة إنقاذ اللغة العربية، ولجنة حماية التراث، ولجنة الإبداع وحماية الملكية الفكرية، ولجنة رعاية ثقافة الطفل والشباب، ولجنة تحالف القيم وحوار الثقافات، ولجنة المحتوى الرقمي العربي على شبكة الإنترنت، ولجنة السوق الثقافية العربية المشتركة، ثم لجنة الترجمة.
 وقد صاغت كل لجنة من اللجان مجموعة من التوصيات والمقترحات تصورت أنها ملائمة للعرض على القمة لتتخذ في شأنها قرارًا، ورغم أن معظم التوصيات والمقترحات أمسكت بقضايا مهمة في الواقع العربي، إلا أن بعضها ليس محله قمة للملوك والرؤساء العرب.
 إلا أن المشكلة الكبرى في التوصيات فيما أعتقد كان ما يتعلق باللغة العربية، أو ما أسماه اللقاء "إنقاذ اللغة العربية"، لقد طرحت اللجنة في هذا الصدد مجموعة من التوصيات المهمة المتعلقة بتعليم اللغة العربية، وإعداد المعاجم اللغوية، لكن اللجنة تغولت في توصياتها، وتقدمت بمشروعات من قبيل، اعتبار اللغة العربية الفصحى اللغة الرسمية وفقًا للدساتير، ومنع استخدام العاميات العربية في الإعلانات أو في لغة الإعلام، إلى أخر مثل هذه التوصيات التي لن تؤدي إلى إنقاذ العربية الفصحى فضلًا عن إنها لن تنفذ أصلًا، فقد تناست التوصيات أن من بين الدول العربية خمس دول على الأقل بها مجموعات عرقية كبيرة غير ناطقة بالعربية، وتنص دساتير بعض هذه الدول وتشريعاتها على اعتبار لغات هذه المجموعات العرقية لغات رسمية، مثل حال الأمازيغ في دول المغرب العربي، خصوصًا المغرب والجزائر، والأكراد في العراق، وسكان جنوب السودان، لقد أهدرت التوصيات حقوق ملايين من مواطني دول عربية وتعدت على حقوقهم الثقافية واغتالتها بمنتهى الهدوء، كما تناست التوصيات أن قسم كبير من الإبداع في عالمنا العربي كان وما زال بالعاميات العربية، أين سيذهب الشعر النبطي في الخليج والجزيرة العربية، أين تذهب إبداعات عبد الله النديم وبديع خيري وبيرم التونسي وفؤاد حداد وصلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب وفؤاد قاعود وأحمد فؤاد نجم وغيرهم...
 وكيف ننقذ الفصحى ونحارب العاميات في الإعلام والإعلان ونسبة الأمية في عالمنا العربي تتجاوز خمسين في المئة في بعض بلداننا العربية.
 أظن الأمر يحتاج إلى بعض التفكير.
الدستور 21 يوليو 2010

الخميس، 25 يوليو 2019

نصر... وداعا من أرشيف مقالاتي القديمة


مخربشات
نصر... وداعا
عماد أبو غازي   
 الاثنين 5 يوليو 2010 بدأت يومي بنبأ رحيل الصديق نصر حامد أبو زيد، استرجعت ذكريات ثلاثين عامًا منذ التقيت نصر للمرة الأولى في كلية الآداب سنة 1980.


 تخرج هو في قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة القاهرة وعين معيدًا بالقسم في نفس العام الذي التحقت فيه طالبا بالكلية، عام 1972، كنت اسمع عنه من أصدقائي وزملائي لكني لم ألتق به طوال سنوات دراستي، عندما حصل على الماجستير في دراسات التراث الإسلامي، كنت أتخرج من قسم التاريخ بالكلية في نفس العام، وظللت سنوات بعيدًا عن الكلية، لكنني كنت اسمع من أصدقائي ومن بعض أساتذتي اسم نصر حامد أبوزيد، مشفوعا دائمًا بالإشادة به والتبؤ له بمكانة بارزة بين المتخصصين في دراسات التراث.
 أتذكر الآن مواقف عديدة جمعتني به، أتذكر حين التقيت به للمرة الأولى بحجرة قسم اللغة العربية بكلية الآداب في خريف عام 1980، كنت قد التحقت بالكلية مرة أخرى لأكمل دراستي في مجال الوثائق، تعرفت عليه من خلال الأستاذ الدكتور عبد المحسن طه بدر، وتوطدت العلاقة بيننا، نتباعد لسفره لكنه يظل دائمًا قريبًا من العقل والروح.
 أتذكر في عام 1995 في ذروة المحنة التي تعرض لها العقل المصري، عندما كفر البعض نصر أبو زيد ولاحقوه قضائيًا مطالبين بالتفريق بينه وبين زوجته بدعوى ارتداده عن الإسلام، نظم حزب التجمع مؤتمرًا تضامنيًا مع نصر أبو زيد، كان من المفترض أن يلقي فيه كلمة، لكن نفس توقيت المؤتمر تحدد موعدًا لمناقشة آخر رسالة كان يشرف عليها بقسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، فكلفني أن ألقي كلمته في مؤتمر التضامن نيابة عنه، يومها أحسست أن نصر أبو زيد الصديق والأستاذ الذي تعلمت من كتاباته ومن منهجه، قد طوقني بجميل كبير، أن يختارني لأحل محله في هذا اليوم.


 أتذكر مرة أخرى في يوليو 2007 وهو بعيد عن الوطن حين طلب مني للمرة الثانية أن ألقي كلمته نيابة عنه في حفل تأبين صديقنا المشترك محمد حاكم، الذي كان قد رحل قبلها بأيام، وكان نصر وقتها غائبًا عن مصر.
 أعود إلى نصر ومسيرته الفكرية والعلمية، لقد تحققت توقعات أساتذة نصر أبو زيد وأصبح واحدًا من الأسماء البارزة في مجاله في سنوات قليلة بعد حصوله على الدكتوراه، كان التأويل والنص محورًا لمعظم انتاجه الفكري الذي قارب خمسة عشر كتابًا، غير عشرات من الأبحاث والمقالات العلمية التي نشرها في عديد من الدوريات المتخصصة والمجلات الثقافية العامة، والمحاضرات التي ألقاها في عشرات من المؤتمرات والندوات والحلقات البحثية.
 ومن أبرز أعماله: "الاتجاه العقلي في التفسير: دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة"، و"فلسفة التأويل: دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي"، و"أنظمة العلامات فى اللغة والأدب والثقافة: مدخل إلى السميوطيقا"، و"مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن"، و"الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية"، و"نقد الخطاب الديني"، وغيرها وغيرها من الكتب والدراسات.
 كان نصر حامد أبو زيد علامة من علامات الاستنارة في الفكر العربي المعاصر، ربما يمكن أن نعتبره معتزليًا جديدًا، حاول باجتهاداته تجديد الخطاب الثقافي العربي والإسلامي، فواجهته قوى الظلام وتصدت لمحاولته بالتكفير والملاحقة القضائية بدلًا من المواجهة الفكرية.
 لقد امتد عطاء نصر أبو زيد الفكري والعلمي على مدى أكثر من ثلاثين عامًا، تخللتها غيابات متعددة عن الوطن.
 غاب للمرة الأولى عندما سافر إلى اليابان لتدريس اللغة العربية هناك، أضافت تجربة الحياة والعمل في وسط ثقافة مختلفة لرؤيته، وأعطته مجالات جديدة للدراسات المقارنة.
 غاب للمرة الثانية غيابًا طويلًا متقطعًا عندما بدأت مأساة ملاحقته قضائيًا بسبب أفكاره المستنيرة، ملاحقته بقضايا التفريق، التي جاءت في سياق موجة من موجات الأرهاب المادي والمعنوي تصاعدت في مطلع التسعينيات، سقط خلالها الدكتور فرج فودة شهيدًا لأفكاره، وتعرض كاتبنا الكبير نجيب محفوظ لمحاولة اغتياله، وكان نصيب نصر حامد أبو زيد حملة التكفير التي انتهت بحكم التفريق بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال سالم في عام 1995، بعدها ظل نصر متنقلًا بين مصر وهولندا حيث استقر استاذًا بجامعتها ووجهًا مشرقًا للثقافة العربية في الغرب، حرمت منه جامعته وحرم منه طلابه بسبب التعصب الفكري والظلامية التي تتوحش في بلادنا.
 وجاء الغياب الأخير برحيله عن عالمنا، لكن من كان له مثل إسهام نصر أبوزيد وإنجازه الفكري لا يغيب أبدًا، فستظل أعماله حاضرة تنير الطريق وتثير التفكير وتثري الواقع وتفتح الأفق للمستقبل.
الدستور 7 يوليو 2010

اتحاد الناشرين يسهم في هدم الدولة المدنية من أرشيف مقالاتي القديمة


مخربشات
اتحاد الناشرين يسهم في هدم الدولة المدنية
عماد أبو غازي

 يبدو أن أنصار الدولة المدنية في مصر يتناقصون يوما بعد يوم، وأعني بأنصار الدولة المدنية أولئك الذين يؤمنون بدولة قوامها المواطنة ومرجعيتها القانون، دولة تقوم على أساس قوانين مدنية تتغير بتغير الأحوال وتماشي تطور المجتمع، قوانين تضعها المجالس النيابية المنتخبة، ويكون جميع أبناء الوطن متساوون أمامها بغض النظر عن الدين أو الجنس أو الأصل.
 وللأسف فإن أعداء الدولة المدنية لم يعودوا أفرادا متفرقين أو جماعات ذات مرجعيات سياسية دينية أو طائفية أو مؤسسات دينية، بل إن منظمات مجتمع مدني ومؤسسات يفترض أن تكون مدنية بحكم تكوينها تتحول إلى معاول هدم لما تبقى من أسس الدولة المدنية.
 إن لم يكن هذا ما يحدث، فبماذا يمكن أن نفسر ما قام به اتحاد الناشرين المصري، والاتحاد مؤسسة من مؤسسات المجتمع تضم في عضويتها أصحاب دور النشر المصرية، وتدافع عن مصالحهم، انه اتحاد لأصحاب رؤس الأموال في مجال صناعة من أهم الصناعات الثقافية وهي صناعة الكتاب والنشر، والاتحاد مؤسسة وطنية مصرية يفترض أن تلتزم بالقوانين المصرية.
 ماذا فعل الاتحاد؟ وكيف يسهم في هدم أسس الدولة المدنية؟
 نشرت جريدة أخبار الأدب في عددها الأخير خبرا مفاده أن دار الإفتاء المصرية قد أصدرت فتوي رسمية بتحريم "انتحال حقوق الملكية الفكرية" من خلال نشر الكتب بأي طريقة كانت، بدون موافقة من صاحب الكتاب.
 ووفقا للخبر المنشور فإن تلك الفتوي قد جاءت رداً علي الخطاب الذي أرسله اتحاد الناشرين المصريين يطلب فيه رأي دار الإفتاء في حكم من يقوم بطبع أو نشر أو توزيع أو شراء كتاب لُمؤلف أو دار نشر تملك حق طبع ونشر هذا الكتاب بأي صورة من صور النشر المقروءة والمرئية والإلكترونية دون موافقة أو إذن كتابي من المُؤلف صاحب العمل أو الدار الناشرة له، مما يطلق عليه اعتداء على حقوق الملكية الفكرية.
 بالطبع جاء الرد من دار الإفتاء ليؤكد حرمانية التعدي على حقوق الملكية الفكرية وفقا لأسانيد شرعية عديدة.
 أين المشكلة؟
 المشكلة ببساطة، إن مصر بها قانون لحماية الملكية الفكرية يجرم الاعتداء على حقوق المؤلف، كما يجرم الاعتداء على حقوق الناشر، إذا كان الناشر متعاقدا مع المؤلف، وسرقة حقوق الملكية الفكرية، والقرصنة في مجال الكتاب والنشر، سواء بالنشر الورقي أو الإلكتروني أمور مجرمة قانونا، ولها عقوبات محددة.
 إن طلب الفتوى الذي تقدم به اتحاد الناشرين إقحام للمؤسسة الدينية في أمور دينيوية ويزيد الأمر سواء ما تردد عن أن الاتحاد قد تقدم بطلب فتوى مماثلة من الكنيسة الأرثوذكسية، ولا أعرف لماذا نسي الاتحاد أن يطلب فتاوى من الكنيستين الإنجلية والكاثوليكية، ومن حاخامخانة اليهود بالمرة.
 إن الحياة الثقافية في مصر تعاني من تغول سلطة المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية ومن تدخلاتها التي تطال حرية الإبداع، فإذ باتحاد الناشرين الذي يفترض أنه مؤسسة مدنية يستدعي لنا المؤسسات الدينية لتفتي لنا في أمور صناعة الكتاب والنشر، في أمور حسمها القانون، الذي هو قانون مدني، في أمور لا تحتاج فتوى، ولا تحتاج لنجرمها لمنطق الحلال والحرام.
 وفي الحقيقة لم تقنعني على الإطلاق ردود الصديق الأستاذ محمد رشاد رئيس اتحاد الناشرين على الانتقادات التي وجهت للاتحاد بسبب طلب فتوى دار الافتاء، تلك الردود التي نشرتها جريدة الأهرام المسائي في صفحتها الثقافية، والتي أكد فيها على أنه المسئول شخصيا عن طلب الفتوى، وقال: إن الدافع وراء طلب الفتوى الفشل في ملاحقة مزوري الكتب، وإنه في الفترة الأخيرة تفشي التزوير في مصر أكثر من الدول العربية‏،‏ فقررنا ان نبحث عن طريق آخر فوجدنا أن الوطن العربي أكثر من‏90%‏ منه متمسك بقيمه الدينية،‏ فقلنا ـ والكلام للأستاذ رشاد ـ ربما يكون الوازع الديني أحد الأسباب التي تحد من هذا التزوير‏!‏
 إن العلاج المباشر والواضح لمشكلة القرصنة تطبيق القانون، وليس استصدار الفتاوى، وأظن أن رئيس اتحاد الناشرين يعلم أن أكثر من يباشرون القرصنة في مصر دور نشر تنسب نفسها للدين.
 لقد أكد رئيس الاتحاد في حديثه للمسائي على أن الاتحاد سيبذل جهودا معا الجهات المعنية في الدولة لملاحقة المخالفين وتطبيق القانون عليهم، وهذا هو الطريق الصحيح أما طريق استصدار الفتاوى فلن يؤدي إلا إلى المساهمة في هدم أسس الدولة المدنية، أما مشروع رئيس الاتحاد لمنع غير الأعضاء من النشر فله حديث آخر.
30 يونيو 2010

من ظلم باكثير؟ من أرشيف مقالاتي القديمة


مخربشات
من ظلم باكثير؟
عماد أبو غازي
 لعب علي أحمد باكثير دورا مهما في الثقافة المصرية لما يزيد عن ثلاثين عاما، كاتبا روائيا ومسرحيا وشاعرا ومثقفا صاحب رؤية، وباكثير من أصول يمنية حضرمية وأندونيسية، فالأب من حضرموت باليمن والأم من أندونسيا، انتقل باكثير إلى مصر في الثلاثينيات وعلى وجه التحديد عام 1934 وهو شاب في الرابعة والعشرين من عمره، عندما جاء الشاب باكثير إلى مصر كان يحلم بخلافة شوقي في إمارة الشعر كما يقول الدكتور محمد أبو بكر حميد في مقدمته للمجلد الأول من الأعمال الكاملة لعلي أحمد باكثير التي تصدر عن المجلس الأعلى للثقافة، وكان باكثير قد كتب وقتها أولى مسرحياته "همام أو في بلاد الأقحاف" وكانت مسرحية شعرية. اتجه باكثير بعد مجيئه إلى مصر لدراسة الأدب الإنجليزي في كلية الآداب بالجامعة المصرية، وشارك في كثير من الأنشطة الأدبية والثقافية التي كانت مصر تعيشها في ذلك الوقت.


 وفي سنة 1940 نشر علي أحمد باكثير أول مسرحياته في مصر وكانت تحمل عنوان "إخناتون ونفرتيتي"، ومنذ ذلك الحين وحتى روايته الأخيرة "الفارس الجميل" التي كتبها سنة 1965 قبل رحيله بأربع سنوات، كان التاريخ قاسما مشتركا أعظم في أغلب أعمال علي أحمد باكثير المسرحية والروائية.
 لقد كانت بدايات علي أحمد باكثير قريبة من بدايات نجيب محفوظ، فباكثير من مواليد عام 1910 ونجيب محفوظ من مواليد 1911، وكلاهما بدأ تجربته الإبداعية مستلهما التاريخ، وكلاهما شارك مع الشباب من مبدعي الأربعينيات في تأسيس لجنة النشر للجامعيين، وقد اشتركا في بداية حياتهما كذلك في اقتسام الجوائز الأدبية، ففاز معا بجائزة السيدة قوت القلوب الدمرداشية سنة 1943، باكثير عن روايته الأولى "سلامة والقس" ومحفوظ عن رادوبيس، ثم فازا بعد ذلك بعام ـ مناصفة أيضا ـ بجائزة وزارة المعارف، فاز باكثير بروايته "وا إسلاماه"، ونجيب محفوظ بروايته "كفاح طيبة"، لكن مسارات الإبداع سارت بهما في دروب مختلفة.
 في مطلع هذا الشهر احتفلت مصر على مدى ثلاثة أيام بالمئوية الأولى لميلاد علي أحمد باكثير، في مؤتمر أدبي كبير استضافه اتحاد كتاب مصر في مقره بالقلعة، وشارك الاتحاد في تنظيمه بالتعاون مع رابطة الأدب الإسلامي واتحاد الكتاب والأدباء العرب، وقد ساهمت وزارة الثقافة في الاحتفال من خلال مساهمة هيئة قصور الثقافة والمجلس الأعلى للثقافة، فقامت الهيئة بطباعة أعمال المؤتمر، وبدأ المجلس في إصدار الأعمال الكاملة لعلي أحمد باكثير من جمع ومراجعة وتقديم الدكتور محمد أبو بكر حميد، وقد صدر المجلد الأول الذي يضم ثلاثة من الأعمال الروائية لباكثير في اليوم الأول للمؤتمر. كان من اللافت للنظر في جلسة الافتتاح إلحاح غالبية المتحدثين على التأكيد على أن علي أحمد باكثير ظلم حيا وميتا، وإن هذا المؤتمر جاء بمثابة رد الاعتبار له بعد أكثر من أربعين عاما على رحيله.
 في الحقيقة لم أتبين من كلمات جميع من تحدثوا عن ظلم باكثير ما الظلم الذي تعرض له على وجه التحديد؟ ومن ذا الذي ظلمه؟ ومتى كان ذلك سواء في حياته أو بعد رحيله؟
 ربما يكون الاستثناء الوحيد بين المتحدثين الأستاذ فاروق شوشه الذي أفصح عما قصده بالظلم الذي كان باكثير يرى أنه يتعرض له، فقد روى عن نجيب محفوظ أن باكثير قد اشتكى له الأحساس بالظلم بسبب تجاهل النقاد اليساريين له!
 ولا أظن فيما ذكره باكثير أي نوع من الظلم، فلكل ناقد الحق في أن يكتب عمن يشاء ويتجاهل من يشاء، كما أن الساحة لم تكن قاصرة على النقاد الذين ينتمون إلى اليسار، فضلا عن أن شيخ نقاد اليسار في مصر الدكتور محمد مندور قد كتب عن باكثير، ومن هنا فلم أفهم معنا لشكوى الرجل.
 كذلك فإن رجل كباكثير لا يمكن أن يوصف بأنه قد ظلم أو تم تجاهله، لقد جاء الرجل من بلد بعيد فحصل على الجنسية المصرية وعاش مرحبا به في مصر حتى وفاته، ولم يعامل في يوم من الأيام باعتباره أجنبيا، لا في العصر الملكي ولا في العصر الجمهوري، فأي ظلم هذا الذي يتحدثون عنه!
 حصل على الجوائز في العصر الملكي، جوائز من رعاة الثقافة مثل قوت القلوب الدمرداشية، وجوائز من وزارة المعارف، وحصل على وسام الفنون من الرئيس عبد الناصر في العصر الجمهوري مثله مثل أقرانه من كبار أدباء ذلك العصر، فأي ظلم هذا الذي يتحدثون عنه!
 تحولت أولى روايته "سلامة القس" إلى فيلم سينمائي قامت ببطولته أم كلثوم وذلك قبل أن يبلغ الأربعين من عمره، فأي ظلم هذا الذي يتحدثون عنه!
 أصبحت روايته الثانية "وا إسلاماه" نصا أدبيا مقررا على طلاب المدارس المصرية في عام 1945، وتم تدريسها بعد ذلك مرات ومرات في الخمسينيات والستينيات وحتى بعد وفاته، ثم تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي انتجته مؤسسة السينما التابعة للدولة، وما زال الفيلم مقررا علينا في المناسبات الدينية والوطنية، فأي ظلم هذا الذي يتحدثون عنه!
 في عام 1951 عندما كتب مسرحيته "مسمار جحا" أخرجها على المسرح المخرج الكبير زكي طليمات، فأي ظلم هذا الذي يتحدثون عنه!
 انتجت مسارح الدولة مسرحيته "جلفدان هانم" التي مثلها محمد عوض ونعيمة وصفي، وكانت تعرض بشكل مستمر على شاشة التلفزيون، فأي ظلم هذا الذي يتحدثون عنه!
 عمل الرجل في مؤسسات الدولة الرسمية في مجال الثقافة لسنوات، فأي ظلم هذا الذي يتحدثون عنه!
 استبعد الرجل من قوائم الاعتقال ضمن جماعة الإخوان المسلمين رغم صلاته بهم، وذلك مرتين، الأولى في عام 1954 عقب محاولتهم اغتيال جمال عبد الناصر والثانية في 1965، وفي المرتين تم الاستبعاد بتوجيه من الرئيس عبد الناصر تقديرا لباكثير كمبدع أثر في الأجيال، فأي ظلم هذا الذي يتحدثون عنه!
من إذا الذي ظلم باكثير؟
الدستور 23 يونيو 2010