الأربعاء، 28 مارس 2018

أيام القصة... من أرشيف مقالاتي القديمة


مخربشات
أيام القصة
عماد أبو غازي
  مساء الأربعاء الماضي اختتمت أعمال ملتقى القاهرة الأول للقصة القصيرة، الذي نظمه المجلس الأعلى للثقافة، وأعلنت لجنة تحكيم جائزة القاهرة للإبداع القصصي في دورتها الأولى والتي رأسها الناقد المصري البارز الدكتور جابر عصفور ضمت نقادًا ومبدعين ينتمون إلى ثمان دول عربية فوز القاص السوري زكريا تامر بالجائزة، وألقى الدكتور محمود الربيعي التقرير الذي تضمن حيثيات منح الجائزة لزكريا تامر، زكريا تامر الذي أبدع في هذا النوع الأدبي على مدى نصف قرن، أخلص فيها للقصة القصيرة ولم يكتب غيرها من الأنواع الأدبية، وقدم إضافة مهمة ومتميزة للقصة القصيرة العربية، وقد استقبل جمهور الحاضرين كما استقبلت الأوساط الثقافية العربية نبأ فوز زكريا تامر بالجائزة بارتياح بالغ مثلما حدث عقب فوز الشاعر الكبير محمود درويش بجائزة القاهرة للإبداع الشعري العربي في دورتها الأولى.

 استمر الملتقى على مدى أربعة أيام، كانت حافلة بالنقاش والحوار بين المبدعين والنقاد، شارك في الملتقى قرابة 250 من المبدعين والمبدعات ومن نقاد الأدب وناقداته، كما شارك في الفاعليات مؤرخين وسينمائيين، من 16 بلدًا بالإضافة إلى مصر، وناقش الملتقى قرابة 90 بحثًا تناولت القصة القصيرة عمومًا والقصة القصيرة العربية خصوصًا من زوايا متعددة مثل: قضايا النشأة والتطور والانتشار في الثقافات الإنسانية، والقصة العربية والقصة الغربية التفاعل والاستقلال، وقواعد الفن القصصي بين الثابت والمتغير، والقصة والصحافة الأدبية الانكماش والازدهار، والقصة والفنون الأخرى مثل المسرح والسينما والإذاعة، والقصة القصيرة في النقد والدراسات الأكاديمية، والخصوصيات الجمالية للقصة في الآداب الإنسانية المختلفة، والاقتباس والتناص والتحول في القصة القصيرة، والسرد القصصي في التراث العربي، والقصة القصيرة ومشكلات التعريف، والمكان وجماليات النص القصصي، ومفردات العالم القصصي في كتابة المرأة، والقصة القصيرة ومغامرات الشكل، والمشهد القصصي العربي.
 وقد عقدت خلال أيام الملتقى 21 جلسة للأبحاث، و4 جلسات للحوار بين الأجيال تحت عنوان القصة القصيرة العربية تواصل أم انقطاع شارك فيها 60 قاصًا وقاصة، و6 جلسات للقراءات القصصية شارك فيها 25 قاصًا وقاصة، و7 موائد مستديرة شارك فيها 80 مشاركًا، وناقشت إشكاليات النشر للقصة القصيرة، والقصة القصيرة والجماعات الأدبية المستقلة، والقصة القصيرة والمدونات، والقصة القصيرة في الأدب المقارن من خلال ثلاث جلسات خصصت إحداها للقصة القصيرة في الآداب الإسبانو ـ أمريكية، والثانية للقصة القصيرة في الآداب الأوروبية، والثالثة للقصة القصيرة في الآداب الأسيوية.
 ولم تقتصر الفعاليات على الندوات وجلسات القص والحوار التي شغلت جل قاعات المجلس الأعلى للثقافة، بل كانت هناك أمسيتان بمركز الإبداع للأفلام القصيرة المأخوذة عن قصص قصيرة، الأمسية الأولى لأفلام أخذت عن قصص للأديب الكبير يوسف إدريس، والأمسية الثانية عن أفلام أخذت عن أعمال قصصية للروائي الكبير نجيب محفوظ، وترجع فكرة الأمسيتان للناقد علي أبو شادي الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة.
 وقد أصدر المجلس بمناسبة هذا الملتقى 14 كتابًا تتناول جوانب مختلفة ذات صلة بالقصة القصيرة، من بينها إعادة إصدار بعض الأعمال المهمة عن القصة القصيرة مثل دراسة الدكتور شكري عياد عن القصة القصيرة المصرية، التي صدرت أخر طبعاتها قبل ثلاثين سنة، إلى جانب أعمال جديدة عن القصة القصيرة العربية لأحمد عبد الرازق أبو العلا وحسين عيد ونجاة علي، وثلاثة مجلدات تضم مختارات من القصة المصرية القصيرة منذ بدايتها إلى اليوم، جمعها وقدم لها حسين حموده، بالإضافة إلى كتاب عن المشهد القصصي العربي شارك في تأليفه خمسة عشر باحثا من مختلف الأقطار العربية رصدوا فيه واقع القصة القصيرة في عالمنا العربي.
 وإذا كان ختام الملتقى شهد إعلان جائزة القاهرة للإبداع القصصي العربي في دورتها الأولى، والتي تبلغ قيمتها 100 ألف جنيه ويمولها صندوق التنمية الثقافية، فإن افتتاح الملتقى شهد إعلان جائزة يوسف إدريس للقصة القصيرة العربية للمبدعين تحت سن 40 سنة في دورتها الثالثة، وتمنح على مجموعة قصصية صدرت خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، وتحمل الجائزة اسم الكاتب المصري الكبير يوسف إدريس اعترافًا بدوره في تطور القصة القصيرة العربية.
 وقد حصل على الجائزة في دورتها الأولى عام 2007 الأديب سليمان المعمري من سلطنة عمان، عن مجموعته القصصية "الأشياء أقرب مما تبدو في المرآة"، وفي الدورة الثانية عام 2007 الأديب محمد إبراهيم طه من مصر، عن مجموعته القصصية "الركض في مساحة خضراء"، وفي هذه الدورة التي تواكب انطلاق ملتقى القاهرة الأول للقصة القصيرة العربية فاز بالجائزة الأديب سامر الشمالي من سوريا عن مجموعته القصصية "ماء ودماء".
 لقد بدأت حكاية هذا الملتقى عندما اقترح الكاتب المبدع خيري شلبي تنظيم ملتقى للقصة القصيرة على غرار ملتقى الرواية الذي بدأ سنة 1998 وملتقى الشعر الذي بدأ عام 2007، لتكتمل بذلك أركان مثلث الإبداع الأدبي، وقد تحمس الناقد علي أبو شادي للفكرة فورًا، وعرضها على وزير الثقافة الفنان فاروق حسني فرحب بها ووافق عليها.
وتقديرًا للمبدع الراحل يحيى الطاهر عبد الله ولإسهام البارز في هذا النوع الأدبي فقد قررت لجنة الإعداد للملتقى إطلاق اسمه على الدورة الأولى لملتقى القاهرة للقصة القصيرة العربية، كما خصصت مائدة من الموائد المستديرة للمناقشة منجزه الإبداعي.
 من المنظر أن يعقد الملتقى كل عامين وأن يصاحب الملتقى القادم صدور مجلدات جديدة من عيون القصة القصيرة العربية، كما أوصى المشاركون كذلك بأن يصدر المجلس كتابًا سنويًا للقصة القصيرة المصرية يتضمن نصوصًا مختارة تعبر عما نشر خلال عام.
 الدستور 11 نوفمبر 2009

ناصر الأنصاري... شهادة من قريب... من أرشيف مقالاتي القديمة


مخربشات
ناصر الأنصاري... شهادة من قريب
عماد أبو غازي


 صباح الثلاثاء الماضي 20 أكتوبر تلقيت مكالمة من زميلنا في هيئة الكتاب العميد سيد أبو شادي تحمل نبأ رحيل الدكتور ناصر الأنصاري، عرفت الرجل عن قرب طوال السنوات الثلاث الماضية، عملت في الفريق الذي كان يقوده للإعداد للمشاركة المصرية كضيف للشرف في معارض الكتاب في لندن وجنيف وتورينو ونيو يورك وطوكيو، لم تكن المرة الأولى التي أتعامل فيها مع الرجل، لكنها المرة الأولى التي أتعامل معه بهذا القرب والاستمرارية على مدى أكثر من ثلاث سنوات.
 صلتي بالدكتور ناصر الأنصاري قديمة ترجع إلى أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، من خلال مؤلفاته الأولى، التي تعرفت من خلالها على باحث متميز متخصص في تاريخ النظم وتطورها، ومن أهم هذه المؤلفات التي توالى صدورها على مدى قرابة عشرين عامًا: موسوعة حكام مصر من الفراعنة إلى اليوم، تاريخ أنظمة الشرطة في مصر من الفراعنة إلى اليوم، ببليوجرافيا الأمن العام والشرطة والعلوم الجنائية من 1955 -1988 في مصر مشاركة مع أستاذي أبو الفتوح حامد عودة، من بريق العقد الفريد لابن عبد ربه، المجمل فى تاريخ مصر، هؤلاء حكموا مصر تاريخ المراسم في مصر، البلاط الملكي في إمبراطوريات غرب إفريقيا القديم، علم مصر، النقود والبنوك الضريبية، السلطة المقدسة للفرعون نظريا وتطبيقيا، نظام ملكية الأراضي العقارية في مصر من العصور الفرعونية حتى القرن العشرين، المجمل في تاريخ القانون المصري، والعروبة في مقابل العولمة عناصر لنظرية جديدة.
 وتعكس مؤلفات الدكتور الأنصاري عناصر تكوينه فهو متخرج من كلية الشرطة عام 1968، وحصل على ليسانس القانون من كلية الحقوق جامعة عين شمس في نفس السنة، ثم حصل على دراسات عليا فى الإدارة من جامعة جورج واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1979، كما حصل على دكتوراه الدولة في القانون مع التخصص في تاريخ النظم القانونية، والسياسية والاجتماعية من كلية القانون إكس.إن. بروفانس بجامعة مارسيليا بفرنسا عام 1985، فتخصص بحكم الدراسة في مجال النظم القانونية وبحكم العمل في مجال المراسم، فقد شغل عدة مناصب قبل انتقاله للعمل في وزارة الثقافة حيث كان أمينا برئاسة الجمهورية منذ عام 1975، ورئيس لإدارة أمناء الضيافة 1988، ثم وكيل الوزارة بديوان كبير الأمناء من 1989 - 1991، قبل أن ينتقل إلى دار الأوبرا.
 لقد عرفت الرجل من كتاباته قبل أن أعرفه شخصيًا، كانت المرة الأولى التي أتعامل معه فيها في عام 1992 بعد أن تولى رئاسة دار الأوبرا بأشهر قليلة، كان قد أصبح رئيسا لدار الأوبرا في نوفمبر 1991، وكنت وقتها أشارك في الإعداد للاحتفال بالمؤية الأولى لصدور مجلة الهلال، وكانت دار الأوبرا تشارك في الاحتفال من خلال حفل فني وأمسية شعرية لشاعر العراق الكبير الجواهري، كما كانت قاعة المعارض بها تستضيف معرضًا للصور الفوتوغرافية التي تستعرض تاريخ مصر في مئة عام من خلال أرشيف الهلال، وكان هذا المعرض ضمن مسؤلياتي في الاحتفالية، ذهبت وقتها لمقابلة رئيس الأوبرا الجديد، فتعرفت على الدكتور ناصر الأنصاري الذي قرأت له من قبل، وتعاملت معه مباشرة، فرأيت فيه المثقف الرفيع والإداري الحازم بعد أن عرفت الباحث المدقق، نجح المعرض بفضل دعم ناصر الأنصاري ومعاونته رغم أننا بدأنا عملنا في اللحظة الأخيرة، ولنجاح المعرض في قاعة دار الأوبرا قررت دار الهلال استمراره لأسابيع على جدران مبناها بشارع المبتديان.
 بعد ست سنوات ألتقيته مرة أخرى عندما تولى رئاسة هيئة دار الكتب والوثائق القومية في عام 1998 بعد الدكتور جابر عصفور الذي عملت معه في الدار طوال شهور توليه لها مستشارًا فنيًا لدار الوثائق القومية، عندما تولى الدكتور ناصر الدار ذهبت لتحيته بعد انتهاء مهمتي في الاستشارية.
 سافر الدكتور ناصر الأنصاري إلى فرنسا ليشغل منصب مدير معهد العالم العربي في باريس من يناير 1999 حتى مارس 2005، وانقطعت صلتي به لسنوات إلى أن عاد ليتولى رئاسة الهيئة المصرية العامة للكتاب، محاولًا أن يقدم رؤية جديدة للهيئة ودورها، وأن يضع تصورًا مختلفًا لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، فأدخل فكرة ضيف الشرف في المعرض الدولي، وضيف الشرف العربي في معرض الإسكندرية الذي تحرك موعده إلى الصيف وأصبح معرضًا عربيًا، وشارك الدكتور الإنصارى من خلال رئاسته للهيئة المصرية العامة للكتاب في تنظيم العديد من المعارض الداخلية بالتعاون مع المحافظات والجامعات على مستوى الجمهورية، كما طور مشاركات مصر في معارض الكتاب في العالم، وفي السنوات الأخيرة كانت مصر ضيفًا للشرف في معرض جنيف للكتاب والصحافة عام 2008، ومعرض تورينو للكتاب في إيطاليا عام 2009، ومعرض طوكيو للكتاب عام 2009 أيضًا، كما كانت مصر ضيفًا للشرف ضمن المشاركة العربية في لندن 2008 ونيو يورك 2009.
 خلال السنوات من 2006 حتى قبيل رحيله بأيام قلائل عملت معه عن قرب ضمن فريق من الزملاء في وزارة الثقافة ومن الكتاب والناشرين في الإعداد للبرامج الثقافية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في أربع دورات متتالية، وللإعداد للمشاركة المصرية في خمسة من المعارض الدولية، عرفت من خلالها ناصر الأنصاري الإنسان بعد أن عرفت من قبل ناصر الأنصاري الباحث وناصر الأنصاري المثقف وناصر الأنصاري القيادي في العمل الثقافي، عرفت الإنسان الودود مرهف الحس الذي يشعر بالآخرين ويجيد التعامل مع اختلافات البشر، ثم عرفت في الأسابيع الأخيرة ناصر الأنصاري الفارس المقاتل المتفاني في عمله حتى اللحظة الأخيرة، الذي يشيع الأمل في كل من حوله رغم ما يحمل من الألم، الذي يرحل واقفًا على قدميه، تحية لرجل عشق الحياة وأخلص للوطن وأحب الناس، فأحبوه وقدروه وحفروا له مكانًا في قلوبهم.
الدستور 28 أكتوبر 2009

وقال الدمياطة إحنا اللي نقلنا الكوبري من أرشيف مقالاتي القديمة


من أرشيف مقالاتي القديمة...
مخربشات
وقال الدمياطة: إحنا اللي نقلنا الكوبري

عماد أبو غازي

 "إحنا اللي نقلنا الكوبري"، التوقيع: الدمايطة، عبارة مكتوبة باللون الأزرق على قاعدة من قواعد الكوبري الخراساني الجديد في دمياط، تعكس فرحة أهالي دمياط بإنقاذ الكوبري المعدني القديم الذي كان يربط الشرق بالغرب، وتحويله إلى مركز ثقافي مرتبط بمكتبة مبارك التي تطل على نيل دمياط.


 لم يتح لي أن اتابع من قبل أزمة كوبري دمياط التاريخي، أو بمعنى أدق لم أفهم أبعادها، إلا أثناء حضوري الجلسة الأولى من جلسات المؤتمر الدولي الذي بدأ يوم الأحد الماضي وتنتهي أعماله مساء اليوم الأربعاء، والذي تنظمه دار الكتب والوثائق القومية بالتعاون مع الجهاز القومي للتنسيق الحضاري وجامعة فلورنسا، يحمل المؤتمر عنوان "الحفاظ على التراث الثقافي ـ التراث المعماري والمخطوطات الورقية والرقية"، ويناقش من خلال مجموعة من الأبحاث والمحاضرات والعروض تجارب الحفاظ على التراث وصيانته، والخبرات المتنوعة في هذا المجال، وبعض المشروعات الناجحة في هذا المضمار.
 في الجلسة العلمية الأولى قدم الدكتور محمد فتحي البرادعي محافظ دمياط محاضرة وعرضًا لمشروع الحفاظ على كوبري دمياط التاريخي، ومحافظ دمياط معماري متميز كان رئيسًا لقسم العمارة بكلية الهندسة بجامعة عين شمس قبل أن يتولى منصبه كمحافظ لدمياط، تلك المحافظة الصغيرة التي تحمل تاريخًا كبيرًا.


 وأثناء المحاضرة تم توزيع كتاب وثائقي يحمل عنوان: "رحلة كوبري" يروي بالكلمة والوثيقة والصورة قصة إنقاذ كوبري دمياط المعدني الذي يرجع تاريخه إلى سنة 1890، وكان في البداية وفقًا لما ورد في كتاب تقويم النيل لأمين سامي قد أُنشئ ليربط القاهرة بإمبابة، ولتعبر عليه قطارات الصعيد، وفي سنة 1925 انتهى العمل في بناء كوبري إمبابة الجديد، وكان  قرار إنشاء كوبري جديد إلى الشمال من الكوبري القديم قد صدر عام 1912، لكن التنفيذ استغرق 13 عامًا بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى، وفي سنة 1927 تقرر إنشاء كوبري بدمياط يربط المدينة بمحطة السكة الحديد على الجانب الآخر من النيل، وقررت الحكومة استخدام أجزاء كوبري إمبابة القديم في بناء كوبري دمياط، واستغرقت أعمال الإنشاء عامين، وافتتح الكوبري سنة 1929، ومن يومها تغير وجه المدينة وأصبح الكوبري المعدني جزءًا من وجدان الناس في دمياط.
 مع بداية الألفية الجديدة كان الكوبري قد بدأ يتهالك كما توقف جهاز الحركة فيه، فأصبح غير قابل للفتح، وبالتالي بات يشكل عائقًا أمام حركة الملاحة النهرية، وفي عام 2003 طرحت مناقصة لإنشاء كوبري خرساني جديد ليحل محل الكوبري المعدني القديم، ولم يلتفت القائمون على الأمر لقيمة الكوبري القديم تاريخيًا وجماليًا، فباعوه ضمن صفقة الإنشاء للشركة التي تقوم ببناء الكوبري الجديد مقابل تخفيض نفقات الإنشاء، وبدورها باعته الشركة لمقاول يعمل في الخردة فبدأ في تفكيكه تمهيدًا لبيعه بالطن.
 لكن الأقدار ساقت إلى دمياط محافظ جديد يملك رؤية بحكم تخصصه كمعماري في الأساس، وبعد دراسة الموضوع بدقة أصدر قرارًا بمنع أية أعمال فك وتقطيع للكوبري المعدني القديم باعتباره أثرًا تاريخيًا، ديباجة القرار رقم 5 لسنة 2007، الذي أصدره المحافظ الدكتور محمد فتحي البرادعي نادرة لم أر مثلها من قبل، فعادة تستند الديباجة أو مقدمة القرار إلى القوانين واللوائح والمذكرات الإدارية، لكنها ربما المرة الأولى التي يستند فيها قرار لمحافظ على المراجع التاريخية، فقد استند القرار ضمن ما استند إليه من الاطلاع على القوانين والتقارير، إلى الاطلاع على "المراجع التاريخية الثابت بها أن كوبري دمياط المعدني القديم يرجع إنشاؤه لعام 1890 ضمن كوبري إمبابة بمحافظة الجيزة والذي تم نقله ىإلى مدينة دمياط عام 1927، وبذلك يعتبر أقدم كوبري معدني حاليًا قائم على نهر النيل، ويكون منشأ تاريخيًا يتم التعامل معه كأثر تاريخي."


 وقد نص القرار على وقف أعمال فك الكوبري وتقطيعه، والبدء في تصميم موقع جديد أمام مكتبة مبارك العامة بدمياط ينقل إليه الكوبري عائمًا دون تقطيعه، ليكون معرضًا للأعمال الفنية ومركزًا للأنشطة الثقافية يتبع إداريًا مكتبة مبارك العامة.
 وبعد عامين بقليل أصبح القرار حقيقة، فبعد 80 سنة على انتهاء أعمال نقل كوبري إمبابة القديم إلى دمياط، انتهت أعمال إنقاذ الكوبري التاريخي، وافتتح الرئيس مبارك جسر الحضارة في 3 أغسطس الماضي.
 لقد تحول الكوبري بالفعل إلى مركز قادر على استيعاب الأنشطة الفنية والثقافية بفضل محافظ امتلك جسارة اتخاذ القرار الذي يحافظ على التراث الثقافي، قبل محاضرة الدكتور البرادعي استمعت إليه وهو يتحدث إلى بعض المشاركين من المصريين والعرب عن مدينة دمياط وطابعها الخاص، وكيف تقرر بالاتفاق ما بين المحافظة والمجلس المحلي والأهالي الإبقاء على ورش النجارة والمصانع الصغيرة داخل المدينة باعتبار أن هذه الورش والمصانع تعكس أسلوب اجتماعي اقتصادي ثقافي كاد أن ينقرض، وإن ما ينبغي نقله فقط هو الورش الضارة بالبيئة مثل ورش الرخام وورش الدهان بالدكو والبوليستر.
 الدكتور البرادعي يقدم نموذجًا للمسئول الذي يتخذ قراراته بناء على دراسة علمية ووعي ثقافي وحضاري وفهم للمجتمع الذي يديره وإدراك لخصوصياته.
الدستور 21 أكتوبر 2009

الخميس، 22 فبراير 2018

بيومي أنديل...مصري أصيل... من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات
بيومي أنديل...مصري أصيل
عماد أبو غازي



مع الصديقين بيومي أنديل وأحمد إسماعيل
 صحيت يوم الجمعة اللي فاتت على صوت رسالة موبايلي، مسكت الموبايل، لقيت رسالة من صديقي العاشق لمصر بيومي أنديل، عرفت بيومي من أكتر من تلاتين سنة، وكانت معرفتي بيه في مناقشة حوالين إخناتون ودوره في تاريخ مصر، مش ممكن أنسى إن بيومي أول واحد لفت انتباهي لأننا ممكن نقرا تاريخ إخناتون بطريقة مختلفة عن الطريقة اللي اتعودنا عليها، ونفهمه في السياق التاريخي لعصره، ونفسر ليه المصريين رفضوه.
 استغربت من الرسالة، لأني متعود إني أنا وبيومي نتبادل الرسايل بالموبايل في الأعياد والمناسبات، أخر مرة بعتنا لبعض معايدات في راس السنة المصرية، أول توت اللي فات، وبعدين في العيد الصغير رد على معايدتي، استغربت انه باعتلي رسالة وما فيش عيد أو مناسبة، لأننا متعودين نتصل ببعض إذا كان فيه حاجة، قلت يمكن هيتكلم في ندوة أو عنده محاضرة وباعتلي دعوة، فتحت الرسالة بسرعة، اتصدمت من اللي مكتوب فيها، الرسالة كان فيها خبر غياب الصديق الجميل بيومي أنديل عن عالمنا.
 للي ما يعرفش بيومي أنديل، بتقول عنه ويبكيديا:
 "بيومي قنديل اتولد 31 يوليو 1942 في محافظة المنوفية شمال القاهرة، وكمل تعليمه الثانوي هناك، وبعديها اتنقل للقاهرة ودرس في جامعة القاهرة كلية الاداب بيومي قنديل، بيتكلم وبيعرف لغات كتيرة حيه وميته واولها طبعا اللغة المصرية الحديثة (العامية المصرية) وكمان العربي الكلاسيك والانجليزى والفرنساوي والاسباني واليوناني القديم واللاتيني وكمل تعليمه للغة القبطية في كلية الدراسات القبطية في العباسية. من اهم كتبه حاضر الثقافة في مصر واللي عمل فيه مجهود كبير اشاد بيه اعداوه قبل صحابه وقدم فيه دفاع علمي عن الهوية المصرية المسلوبة واللي بتواجه خطرين اساسيين: خطر الذوبان في الخارج وخطر التفتيت من الداخل، وركز على موضوعين اساسيين في الكتاب دا: الموضوع الاول هو القوميه المصريه في مواجهة الثقافة العربية السامية ولخص المشكلة في سؤال هو: هل المصرين عرب؟ واستمر في طرح تساؤلات ما بتخطرش على بال كتير من المثقفين، من نوع هل الانتماء الديني جزء من الانتماء الثقافي ولا العكس؟  انتهى قنديل الى نتيجة لخصها في الجملتين دول 'القول الذي يردده "المتعلمون المصريون" وخصوصاً "الأكاديميون" منهم وراء الخبراء الأمريكيين بأن الثقافة العربية- الإسلامية هي الثقافة القومية للمصريين المعاصرين هو قول فاسد وبالتحديد غير علمي وغير دقيق وغير نزيه في آنٍ واحد. وبيقول السيد قنديل ان المصريين مش عرب ومش ساميين وانهم بيتصنفوا حسب الانثروبولوجي تحت العرق الحامي(الافريقي) مع اخواتهم في شمال افريقيا: البربر(الامازيغ) والاريتريين والاثيوبيين والنوبيين، ودا ما يخليناش نفهم الموضوع على انه استعداء للعرب لانه بيأكد كذا مرة ان على الرغم من ان المصريين مش عرب بس اولاد عم لينا.
  الموضوع التاني هو اعادة اكنشافه للغة المصرية الحديثة زي ما بيحب يسميها والمعروفة باللغة العامية واغلب المثقفين بيلخصوا موقفهم منها في انها لهجة منحدرة من اللغة العربية الفصحى أو مجرد تشويه للغة العربية الأم. قنديل وصل ان اللهجة المصري دي هي المرحلة الرابعة والأخيرة من اللغة المصرية القديمة ودا سبب تسميته ليها باللغة المصرية الحديثة، قنديل افترض فرضية هي ان اللي المصريين بيتكلموه دلوقتي هي لغة مش لهجة، وليها قواعد واضحة، وهي نفس قواعد القبطي وحتى المصرية القديمة وبعد ما برهن على فرضيته دي بالادلة العلمية وبالملاحظات وجِّه دعوة لكل المصريين انهم يكتبوا لغتهم ويعترفو بيها كبنت للغة القبطية، وعلى الرغم من ان اغلب كلماتها من العربي بس اللغات بتتصنف حسب القواعد مش على حسب الاصول المفترضة لمفردتاتها. وبحسب كلامه (اللغة المصرية الحديثة هي لغة مستقلة عن اللغة العربية الكلسيكية لكن ماهيش منفصله عنها ولا عن اي لغة او لهجة في المنطقة المحيطة ولا في الدنيا الواسعة).
 بيومي قنديل حاول هو وبعض صحابه تاسيس حزب سياسي مصري خالص وسمّاه حزب مصر الأم وكتب البرنامج السياسي للحزب وبعض صحابه سمّوه فيلسوف الحزب بس للاسف الحزب رفضته لجنة الاحزاب المصرية التابعة لمجلس الشورى وبعدها فضّل بيومي قنديل انه يسيب السياسة للسياسيين ويتفرغ لابحاثه ودراساته في اللغة المصرية الحديثة".
 ده اللي قالته ويبكيديا عن بيومي الله يرحمه اللي ساب دنيانا الفانية وراح للحياة الأبدية، باختصار الراجل كان كاتب وصحفي ومترجم وباحث، عاش بين 24 أبيب 6184 و29 توت 6251 مصري، لكن أهم من ده كله، كان مفكر مصري أصيل مهموم بأحوال مصر وثقافتها وفكرها، وهب حياته كلها علشان يبشر برسالته المصرية، درس تاريخ مصر، واتعلم اللغات اللي مرت عليها، وكانت قضية حياته إن مصر ترجع مصرية، تتفق معاه أو تختلف مش ده المهم، لكن المهم إنه كان مخلص لفكرته، والكل بيحترموه اللي بيوفقوه واللي بيخلفوه.
الدستور 14 أكتوبر 2009


الأحد، 31 ديسمبر 2017

حوار الموت والحياة... من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات
حوار الموت والحياة
عماد أبو غازي
 على مدى خمسة أيام، انتهت مساء السبت الماضي، شهدت القاهرة والإسكندرية أعمال الحلقة البحثية حول الموت والحياة، التي حملت عنوان حوارات من مصر، وقد تم تنظيم هذه الندوة في القاهرة بين المجلس الأعلى للثقافة ومركز دراسات الموت والحياة بجامعة طوكيو باليابان، وفي الإسكندرية بين المركز الياباني ومركز الخطوط بمكتبة الإسكندرية، لكن ما هو برنامج دراسات الموت والحياة؟
  قال عنه سوسومو شيمازونو مدير البرنامج في محاضرته الافتتاحية بالقاهرة، إنه قد قام منذ عام 2002 على شراكة بين مدرسة الدراسات الإنسانية والاجتماعية (كلية الآداب) بجامعة طوكيو، مع كلية الطب، وكلية التربية، وجهات أخرى، لتنفيذ برنامج لدراسات الموت والحياة بمركز القرن الحادي والعشرين بالجامعة، ويسعى لتطوير نظام تعليم وبحوث رصين فى هذا المجال، ويتطلع المركز من خلال أنشطته إلى التعاون مع المؤسسات الثقافية والأكاديمية عبر العالم، ومن هنا كانت مبادرة تنظيم هذه الحلقة البحثية.
 أما دراسات الموت والحياة، كما عرفها سوسومو شيمازونو مدير مركز دراسات الموت والحياة في جامعة طوكيو، فتعد تخصُّص أكاديمى جديد يبحث عن نقاط الالتقاء والتبادل بين الطب، والعلوم الاجتماعية، والإنسانيات. وقد ظهرت في السنوات الأخيرة وتطورت بسرعة، بسبب التطور الذي شهدته العلوم الطبية في السنوات الأخيرة، والذي لا يواكبه بنفس السرعة تطور في منظومة القيم، فعلى الرغم من أن المرافق الطبية المعاصرة تبذل جهدًا كبيرًا فى رعاية المشرفين على الموت، فإن مشكلات هؤلاء لا يمكن حلها جميعًا على أساس النموذج الطبى الحديث القائم على العلوم الطبيعية فقط. فمنذ ستينيات القرن الماضى حقَّقت حركة رعاية مرض الموت، على سبيل المثال، قفزات واسعة فى أمريكا الشمالية وأوربا، كما أحرزت البرامج التعليمية والبحوث التى استهدفت تلبية احتياجات هؤلاء المرضى الذين يواجهون الموت وأسرهم تقدمًا ملحوظًا.
 وقد تزامن هذا التطور مع ظهور عدد كبير من المشكلات المتعلقة بأخلاقيات البيولوجيا. فمع إمكانية زرع الأعضاء، والتلقيح الصناعى، واختبار الجينات، أصبح التغلُّب على عدد من المشكلات التى كان من المستحيل التغلُّب عليها فى السابق أمرًا ممكنًا، وزادت الاستجابة لاحتياجات الإنسان بشكل كبير. ولكن، على الرغم من أن الطب قد عزَّز قدراته على حلِّ تلك المشكلات، فقد أصبح السؤال المتعلق بالخط الفاصل الذي يحدِّد دور التدخل الطبى مشكلة خطيرة تواجهنا الآن. لذلك فقد أصبحت القرارات الأخلاقية القائمة على رؤية الموت والحياة تفرض تساؤلات يومية على المستويين الإكلينيكى والبحثى على حد سواء. بيد أن محاولات الدراسات المقارنة المتزايدة لمختلف رؤى الموت والحياة، فى جميع أنحاء العالم، أسفرت عن تقدُّم فى العثور على حلول لمشكلتنا الجديدة العالمية الحالية.
 ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي ينظم فيه المجلس الأعلى للثقافة أنشطة بحثية تدور حول أخلاقيات البحث العلمي في مجال العلوم الطبية، أو أثر التطورات الحديثة في العلوم البيولوجية على المجتمع والتطورات التشريعية فيه، فقد سبق للمجلس من خلال لجانه المتخصصة أن نظم مع جامعة المنوفية ومع المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة ندوتين في هذا المجال.
 وكانت الحلقة البحثية الأخيرة من الأنشطة الناجحة لكل من المؤسسات الثلاثة، المجلس الأعلى للثقافة ومركز الخطوط بمكتبة الإسكندرية ومركز دراسات الموت والحياة بجامعة طوكيو، والغريب أن نجاحها لم يكن فقط نجاحا علميا وثقافيا من خلال الأبحاث والمداخلات، بل كذلك نجاحا جماهيريا من خلال الحضور غير المتوقع للجمهور في قاعة المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، وفي قاعة المؤتمرات بمكتبة الإسكندرية، فرغم جفاف موضوع الندوة وطابعه التخصصي كان الحضور لافتا، والمشاركة من الجمهور واضحة، وقد دار الحوار في الندوة باللغتين العربية والإنجليزية مع توافر الترجمة الفورية.
 وقد جرى الإعداد لهذه الحلقة البحثية على مدى أربعة عشر شهرا، حيث شارك فيها أكثر من ثلاثين مشارك، وتم تكليف 25 باحثة وباحث من بينهم من مصر واليابان بإعداد أوراق بحثية تتناول الرؤى المختلفة للموت في الثقافتين المصرية واليابانية عبر عصور حضارتي البلدين المتعاقبة، ورؤى الحياة عبر فيها مفهوم الموت، وتم تناول الموضوع من خلال مداخلات لمتخصصين في مجالات معرفية متعددة تتراوح ما بين التاريخ والآثار والوثائق وعلم الاجتماع والأنثربولوجيا والفلسفة والأدب والفلكلور والقانون والطب، وقد أضاف هذا التنوع في تخصصات المشاركين ثراء إلى الندوة وإلى ما دار فيها من حوارات سواء في قسمها القاهري أو السكندري، كانت الندوة في المحصلة النهائية مجالا للحوار الثقافي والحضاري بين شعبين وثقافتين مختلفتين، ومجالا كذلك للتفاعل المعرفي بين المتخصصين المصريين واليابانيين في علوم مختلفة.

الدستور 7 أكتوبر 2009

الثلاثاء، 19 ديسمبر 2017

موقعة اليونسكو من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات
موقعة اليونسكو
عماد أبو غازي


 انتهت معركة انتخابات المدير العام لمنظمة اليونسكو التي خاضها الفنان فاروق حسني وزير الثقافة باقتدار مرشحًا لمصر، مؤيدًا من المجموعة العربية والمجموعة الإسلامية ومدعومًا بقرارات من الاتحاد الأفريقي لم يلتزم بها بعض الأعضاء للأسف، وحاز المرشح المصري منذ الجولة الأولى على أعلى الأصوات بفارق كبير، ووصل في الجولة الرابعة إلى نصف أصوات المجمع الانتخابي، لكن نتائج مثل هذه الانتخابات في المنظمات الدولية تحسم دائمًا بناء على توازنات وتربيطات دولية واتفاقات تتم تحت الترابيزة، الانتخابات معناها مكسب وخسارة وكل الاحتمالات مفتوحة، المهم أن يكون الآداء على المستوى المطلوب، وقد كان الآداء المصري في معركة اليونسكو متميزًا وعلى المستوى بالفعل، وخسارة المنصب ليست نهاية العالم بل من الممكن أن تكون بدايته، خصوصًا إذا كانت كما قيل "خسارة بطعم النصر" وهي مقولة أظنها صحيحة.
  إن السبب الرئيسي في التكتل الشمالي لإسقاط فاروق حسني يكمن في المخاوف الأمريكية الأوروبية المدفوعة بمصالحها، فالولايات المتحدة ترفض وجود مدير للمنظمة يحرك الماء الراكد ولديه رؤية لإدارة المنظمة ويتحدث عن حوار ثقافي حقيقي بين الحضارات، وحتى وإن كان الخطاب السياسي للرئيس الأمريكي أوباما يتحدث عن الحوار، إلا أنه على ما يبدو أن القرار موجود سلفًا وإن الانقسام واضح في الإدارة الأمريكية يجعل هناك مسافة بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية التي تنطلق من المصالح الأمريكية التي تقضي بألا يوجد مدير من الجنوب للمنظمة يتمتع بشخصية مستقلة ولا يقبل الضغوط، ويبدو أن تجربة الدكتور أحمد مختار أمبو السنغالي الذي تولى إدارة المنظمة في السبعينيات والتي انطلقت خلالها المنظمة لتقوم بدور تقدمي في الثقافة العالمية لازالت ماثلة في أذهان الغرب، وهي التجربة التي يبدو أن الغرب لن يغفرها أبدا.
 بالطبع الغرب ليس شيئًا واحدًا وليس كتلة مسمطة، فهناك اختلافات بين دوله، وهناك فارق بين الحكومات والشعوب، وبين المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني.
 لا يمكن أن ننسى كذلك أن المصالح الأمريكية الإسرائيلية تتعارض مع وجود مدير عربي أو مدير يتعاطف مع القضية الفلسطينية في مرحلة تسعى فيها إسرائيل لتهويد القدس وجزء مهم من هذه المعركة ثقافي، والمدير الذي سيرحل جمد ملف تسجيل القدس كتراث إنساني عالمي مشترك للأديان الثلاثة (اليهودية والمسيحية والإسلام)، فعل هذا بالطبع لحساب إسرائيل ومشروعها.
 وبعد أن انتهت المعركة يجب أن نقف لنتسأل إذا كنا قد خسرنا المنصب فما الذي يمكن أن نعتبر أننا كسبناه في معركة اليونسكو؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه أو نستفيد به من المعركة للمستقبل؟
 في تقديري أن أول ما كسبناه في معركة انتخاب مدير عام المنظمة الدولية كان القدرة على معرفة الحلفاء الحقيقيين وأولئك الذين يمكن أن تتحول مواقفهم، عرفنا مواطن القوة ومواطن الضعف في علاقاتنا الدولية، عرفنا أن لنا قدرة تنافسية عالية ويمكن أن يحسب حسابنا عندما نحسن إدارة معاركنا، حتى لو لم ننتصر فيها في النهاية لكننا خضناها بقوة وكفاءة، ولا شك أن الفريق الذي أدار المعركة يستحق التحية.
 لكني أظن أن أهم ما خرجنا به كان برنامج فاروق حسني الانتخابي ورؤيته التي طرحها للعمل الثقافي الدولي، والتي ينبغي أن تطرح على الناس ليعرفوا ما قدمه، لقد قدم برنامجًا واضح المعالم للانطلاق بالمنظمة الدولية بعد الكبوة التي أصبتها في ظل إدارة مديرها الحالي، برنامج يحيي فكرة الحوار بين الحضارات التي طرحها المدير السابق للمنظمة فريدريكو مايور في تقريره الشهير "التنوع البشري الخلاق".
  لقد ركز فاروق حسني في رؤيته على التصالح والحوار بين الحضارات والثقافات، على دور الثقافة في بناء السلام العالمي الذي تحتاجه البشرية أكثر من أي وقت مضى لتركز جهودها على مواجهة الأخطار البيئية المحيقة بكوكبنا، ركز على احترام التنوع الثقافي وصيانة حرية التعبير، طرح برنامجًا يقوم على استخدام الثقافة "سلاحًا" في مواجهة الفقر والتخلف، الثقافة من أجل التنمية المستدامة، الثقافة من أجل تطوير التعليم ومواجهة الأمية على مستوى العالم، الثقافة من أجل وضع أفضل للمرأة، أكد كذلك في برنامجه على دور لليونسكو في مواجهة أخطار التغيرات المناخية التي باتت تهدد الأرض.
 هذا ما كسبناه في ظني فما الذي يمكن أن نتعلمه؟
 أول ما نخرج به من دروس: ضرورة الاهتمام بأفريقيا وإيلائها أهمية أكبر في سياستنا عمومًا وفي سياستنا الثقافية خصوصًا، أيضًا أن نفرق بين الشعوب والحكومات ونعتمد الدبلوماسية الشعبية ومد الجسور مع الجماعات والتجماعات الثقافية عبر العالم، ونحافظ على رؤيتنا المتمسكة بالحوار الثقافي والحضاري مع الشرق والغرب على السواء.
 أما همنا الأكبر فينبغي أن يكون في مواجهة معركة تهويد القدس.

الدستور سبتمبر 2009

الخميس، 16 نوفمبر 2017

نباشو القبور... من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات
نباشو القبور
عماد أبو غازي

 رغم أن العيد مناسبة سعيدة، مناسبة للبهجة والفرح، فقد كان العيد يرتبط عندنا في مصر دائمًا بزيارة الراحلين في المقابر، مهما بعد الزمن بيننا وبين رحيلهم نحرص على زيارتهم ولا ننساهم. فالأموات في عقيدة المصريين منذ القدم لا يغيبون برحيلهم عن عالمنا، بل هم عند موتهم يرحلون في رحلة طويلة إلى عالم الأبدية، وإن غابت أجسادهم تحت التراب، فأرواحهم معنا، لذلك فنحن نذهب لزيارتهم في المناسبات السعيدة، تمامًا كأنهم بيننا، يتشاركون معنا في فرحنا.
 أذكر وأنا صغير كيف كانت زيارة مقابر العائلة وعائلة العائلة في ثاني أيام العيد بصحبة جدتي وأبي طقسًا من طقوس العيدين التي لا يمكن أن تفوتني أنا وأخي الأكبر، لا أعرف الآن ما المتعة في ذلك، بل هل كنا نجد متعة بالفعل من أصله، أم أنها كانت مجرد رغبة في مصاحبة الكبار وحب لتقليدهم فيما يفعلونه؟
 عندما أتذكر الزيارتين السنويتين في العيد الصغير والعيد الكبير لمقابر الأمام الشافعي ومقابر باب الوزير، تلوح في ذهني رباعية صلاح جاهين التي يصف فيها زيارة المقابر في العيد، فيقول:
"عيد والعيال اتنططوا على القبور
لعبوا استغامية... ولعبوا بابور
وبالونات ونايلونات شفتشي
والحزن هيروح فين جنب السرور
عجبي"
 تداعت على ذهني الصور وتذكرت هذا كله والعيد يقترب مع تصريحات متوالية تتجدد حول نية محافظ القاهرة نقل المقابر من مناطق الإمام الشافعي والبساتين إلى خارج المدينة بدعوى تحويل المنطقة إلى حدائق عامة.
 ليست المرة الأولى التي تتردد فيها مثل هذه الأخبار، فمننذ سنوات والفكرة تظهر على استحياء ثم تختفي، إلى أن أصبحت في الفترة الأخيرة تلح بقوة، في المرة الأخيرة أكدت الأخبار التي نسبت إلى المحافظة ردا على انتقادات سابقة، إن الأرض ستحول إلى مساحات خضراء وحدائق، كما أن المشروع سيراعي الحفاظ على المقابر الأثرية.
 ما السر وراء المشروع؟ وما سبب الحماس له؟ المقابر على أطراف المدينة القديمة، لا تعوق حركة مرور أو تتسبب في زحام، هل تتجه النية إلى تحويل المنطقة إلى أراضي للبناء كما أشيع من قبل؟ أين سيذهب سكان المنطقة ومن يعملون في المقابر ويتعيشون من خدمة الموتى وخدمة الأحياء المترددين على زيارتهم؟ وأين سيذهب الموتى، هل ستمنح المحافظة مقابر جديدة لأصحاب المقابر الحالية؟ هل ستنبش المحافظة قبور الأباء والأجداد لتحمل ما تبقى من رفاتهم إلى المقابر الجديدة أم ستترك المهمة لأهل الراحلين؟
أسئلة وأسئلة وأسئلة والإجابات دائما لا تشفي غليلًا.
 قصة تحويل المنطقة إلى حدائق غريبة على المحافظة التي لا تهتم بالحفاظ على الخضرة، ولا تقوم بواجبها في حماية القليل الذي تبقى منها وتتغاضى عن تقطيع الأشجار وإزالة الخضرة، بل تمارس بنفسها تقطيع الأشجار، وما حدث منذ أيام في مركز شباب الجزيرة شاهد على ذلك.
 وإذا كانت المحافظة ترغب فعلًا في زيادة المساحة الخضراء، فما الذي يمنع من تشجير منطقة المقابر مع بقائها على حالها؟ إننا نشاهد المقابر في الغرب وسط الغابات والحدائق، لنجعل مقابرنا حدائق ونزرعها أشجارًا دون أن نزيلها.
 ثم ما مفهوم المقابر الأثرية التي أكدت تصريحات المحافظة على الحفاظ عليها؟ هل هي فقط المقابر التي مر عليها مائة عام أو أكثر؟ طيب لو كان قد مر عليها 90 عامًا فقط؟ وماذا عن مباني المقابر ذات الطراز المميز التي تزخر بها منطقة البساتين والإمام الشافعي؟ تلك المقابر التي تعكس طرز بدايات القرن العشرين، هل سنحافظ عليها أم سنزيلها؟ وماذا عن مقابر المشاهير المنتشرة في تلك المنطقة، رجال السياسة ورجال الفكر ورجال الفن؟ هل سنترك مقبرة أم كلثوم رغم أنها من الناحية القانونية ليست أثرًا بعد، أم ستهون علينا هذه المقابر مثلما هانت على محافظتنا من قبل المقابر المقابلة لسور القاهرة الشمالي في منطقة باب النصر وباب الفتوح، وأزلناها من الوجود رغم أنه كانت تضم رفات المفكر والمؤرخ والفقيه عبد الرحمن بن خلدون؟
 كانت مقابر مصر منذ أقدم العصور لها مكانتها وحرمتها الخاصة عند المصريين، لا يقبلوا التعدي عليها ولا يسمحوا به، كانوا يحترمون الموت لأنهم يحبون الحياة، لقد شيد الأجداد الهرم أضخم مقبرة في التاريخ وحفروا جبال البر الغربي في الأقصر وأبدعوا فيها أجمل المقابر، وشيدوا في عصر المماليك القباب والأضرحة لتضم رفات الموتى فكانت تحفًا في الفن والعمارة.
 كانت المقابر قديمًا عرضة لمطامع الطامعين، لذلك كان المصري القديم يكتب على مقبرته التعاويذ التي تستحضر اللعنات على منتهكي حرمة المقابر وعلى نابشي القبور، كانت مقابر الأجداد في الأزمان الغابرة مطمعًا لما فيها من ذهب وحلي يحملها الراحل عن عالمنا معه إلى عالم الخلود، وإذا كنا اليوم لم نعد نحمل ذهبنا معنا، فإن أراضي المقابر أصبحت ذهبًا يجري له لعاب الطامعين، فهل نحتاج اليوم إلى استدعاء تعاويذ الأجداد لحماية مقابرنا؟
 اتركوا أمواتنا في سلام يا نباشو القبور...

الدستور 16 سبتمبر 2009