الأربعاء، 21 يونيو 2017

توت 6249 سبتمبر 2007 كل توت ومصر طيبة وإحنا طيبين... من أرشيف مقالاتي القديمة


مخربشات
توت 6249 سبتمبر 2007
كل توت ومصر طيبة وإحنا طيبين
عماد أبو غازي
 كل سنة وأنتم طيبين اليوم الأربعاء 12 سبتمبر هيوافق اليوم الأول من شهر توت أول شهور السنة المصرية، واللي بنسميه عيد النيروز، كان العيد ده دايما من أهم الأعياد اللي بيحتفل بها جميع المصريين علشان ارتباطه بالنيل مصدر الحياة في مصر، والمصريين بدو تقويمهم سنة 4241 قبل الميلاد، يعني إحنا السنة دي هنبدأ سنة 6249 مصرية، أجددنا سموا الشهور على أسامي الآلهة، وشهر توت متاخد من تحوت إله الحكمة ورب القلم اللي اخترع الكتابة وقسم الزمن في اعتقاد جدودنا المصريين زمان، وتحور الاسم في اللغة القبطية وبقي توت.
 وبتقترن بداية السنة المصرية القديمة بشروق النجم سوبديت اللي بيسميه العرب الشعرى اليمانية في الأفق مع شروق الشمس، ولاحظ المصريين ارتباط الظاهرة الفلكية دي بوصول الفيضان لمدينة منف، فخدوا المناسبة دي وخلوها بداية لتقويمهم النجمي اللي بتتكون فيه السنة من 365 يوما وربع، زي التقويم الشمسي، المصريين القدماء اكتشافوا نظام تتابع الزمن من بدري، تمام زي ما ابتكروا الزراعة في وادي النيل، علشان كده الفلاح المصري اعتمد في الزراعة على التقويم ده من أكتر من ست آلاف سنة ولسه بيعتمد عليه.
 مصر فضلت تحتفل براس السنة المصرية لآلاف السنين، لكن الاحتفال وقف لما العثمانيين احتلوا مصر، في سنة 1893 جمعية التوفيق القبطية رجعت تحتفل مرة تانية بالنيروز، لكن الاحتفال كان محدود، وبيختفي تدريجيا.
من سنتين تقريبا كتبت تحت عنوان "النيروز الذي نسيناه"، علشان أفكر الناس بالعيد ده، العيد اللي اتنسى من حياتنا، عيد راس السنة المصرية، يومها دعيت لإحياء الاحتفال بيه باعتباره تراث ثقافي مصري مهدد بأنه يضيع، وباعتبار أن السنة المصرية اللي بتبدأ بشهر توت هي الأساس اللي بتقوم عليه الزراعة المصرية لغاية دلوقتي، واللي بيعرف شهورها كل فلاح في بلدنا.
 ومن شهور قليلة طرح عليّ الصديق بيومي قنديل، فكرة إحياء الاحتفال براس السنة المصرية على المستوى القومي، والدعوة لإن الاحتفال يأكد على فكرة المواطنه اللي بتجمع المصريين باختلاف انتماءاتهم الدينية وأصولهم العرقية، ومافيش مناسبة مشتركة بين كل المصريين أكتر من المناسبة دي، اللي بترتبط بفيضان النيل وليها جدورها القديمة من زمان.
 وبعدين قريت في موقع مجموعة "مصريون ضد التمييز الديني"، اقتراح للمهندس شادي أنسي عجوة بيدعو فيه المجموعة إنها "تشن حملة على أرض الواقع للتقريب بين المسلمين و المسيحيين وغيرهم بجعل هناك يوم مشترك يحمل صبغة مصرية يجمع كل المصريين" وقد أقترح "أن يكون هذا اليوم عيد تمام فيضان النيل رمز الخير في مصر و هو نفسه عيد رأس السنة المصرية الفرعونية".
 الأمر اللي شجعني على للكتابة مرة تانية في الموضوع ده، والدعوة تاني للاحتفال برأس السنة المصرية شعبيا ورسميا، وإن أول توت من كل سنة يكون عيد للمواطنة في مصر.
 يوم الجمعة اللي فاتت احتفل اكتر من متين وخمسين مصري ومصرية في القرية الفرعونية بالمناسبة دي، بدعوة من الصالون المصري والقرية الفرعونية، والليلة اللي فاتت احتفل مصريين في لندن وفي دبي برأس سنتنا المصرية القديمة، احتفال القرية الفرعونية كان فيه كلمات قليلة للتعريف بالاحتفال ومناسبته وتاريخه، وبعدين حفلة فنية موسيقية غنائية لفرقة "رحالة"، وبعدها توزيع لشهادات تقدير وتكريم على مجموعة من اللي قدموا إضافة لقضية المصرية في حياتنا. تم تكريم المرشدة السياحية الرائدة ليلى الطرابلسي، ومحسن لطفي السيد صاحب مدرسة التعريف بالتاريخ المصري والحضارة المصرية، وخيرت الملط صاحب مشروع إحياء الموسيقى المصرية القديمة، وقناة أو تي في الرائدة في استعمال العامية المصرية في برامج التلفزيون ونشرات الأخبار، وبعدها كان فيه حفل عشا مصري.
دي كانت خطوة على الطريق لكن هتفضل الدعوة لإعادة الاحتفال شعبيا ورسميا برأس السنة المصرية، أقدم وأهم عيد مصري عبر العصور، علشان يكون يوم عيد للمواطنة نحلم فيه كلنا بمصر وطن لكل المصريين، بمصر خالية من كل أشكال التمييز، بمصر تحترم حرية العقيدة وتحقق وحدتها باعترافها بقيمة التنوع الخلاق.
 وباقترح انه اعتبارا من سنة 6250 مصرية نخللي كل سنة باسم مصري من اللي كانت مصر همهم وقضيتهم سوا كانوا مصريين ابا عن جد أو زي كتير مننا اندمجوا في مصر اللي بتهضم كل غريب، يعني سنة تكون باسم ابن عروس وسنة للطهطاوي، وغيرهم زي أحمد لطفي السيد، محمد حسين هيكل، هدى شعراوي، سلامة موسى، طه حسين، الحكيم، نجيب محفوظ، مصطفى مشرفة، شفيق غربال، سليمان حزين، سيزا نبراوي، درية شفيق، فؤاد حداد، صلاح جاهين، يحيي حقي، خليل قاسم، مختار، راغب عياد، حامد سعيد، بيكار، سيد درويش، داوود حسني، بديع خيري، أم كلثوم.
 أتمنى إننا نحتفل جميعا السنة اللي جاية برأس السنة المصرية ومعنا مصر كلها. وزي ما قلت قبل كده يوم أجازة زيادة مش هيخرب الدنيا.
 وكل توت وأنتم طيبين.
 الدستور 12 سبتمبر 2007

التاريخ عندما يعيد نفسه... من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات
التاريخ عندما يعيد نفسه...
عماد أبو غازي
 كانت ردود الفعل على ضرب الإنجليز للإسكندرية سريعة ومتباينة...
 في القاهرة ساد القلق والاضطراب، لكن عرابي باشا والقيادة العسكرية قررت أن تطمئن الناس بالتلغرافات، ومنعت الحكومة نشر أي أخبار غير ما تقره نظارة الحربية وما يرد في تلك التلغرافات، مستغلة إعلان الأحكام العرفية.
  لكن ماذا جاء في التلغرافات؟
 أرسل عرابي إلى يعقوب سامي باشا وكيل الحربية عقب نشوب المعركة، فقال:
 "قد اشتعلت الحرب بيننا وبين الإنجليز في الساعة الثانية عشرة صباحًا من هذا اليوم، والقوة بالله، فأرسلوا برنجي آلاي طوبجيه، وإجروا اللازم في تشهيل إرسال العساكر".
 ملحوظة 1: الساعة 12 صباحًا عربي تقابل الساعة 7 صباحًا بالتوقيت العادي الذي كان يسمى الأفرنجي.
  ملحوظة 2: رغم أن الأزمة كانت محتدمة منذ أسابيع والأساطيل البريطانية والفرنسية أمام سواحل الإسكندرية، إلا أن عرابي لم يفكر في طلب الفرقة الأولى مدفعية (برنجي آلاي طوبجيه) إلا بعد أن بدأ الضرب!
 بعدها بساعات أرسل عرابي تلغرافًا قال فيه:
 "الحالة جيدة وقد شوهدت حريقة في مراكب الإنجليز".


 وفي المساء أرسل للقاهرة قائلًا:
 "حصل إطلاق المدافع من المراكب وصار مقابلتها من الطوابي بكمال الهمة من أول الساعة واحدة من النهار لغاية الساعة عشرة، وبعدها امتنع الضرب من الجهتين". 
 هل كانت تلك هي الحقيقة، بالطبع لا، لقد كانت تلغرافات عرابي للقاهرة، والأخبار التي تذيعها نظارة الحربية غير دقيقة وغير أمينة في نقل ما يحدث بالإسكندرية.
وفي الوقت الذي كانت تلغرافات عرابي تطمئن القاهرة على الأحوال كان الوضع في الميدان مختلفًا، تم الاتفاق على التسليم ورفع الرايات البيضاء على القلاع والحصون بمجرد أن يبدأ الأسطول الإنجليزي في الضرب اليوم التالي، 12 يوليو، وهذا ما كان وما حدث.


 لم تكن تلك المرة الأولى التي تعرف فيها مصر البلاغات العسكرية الكاذبة، كما لم تكن الأخيرة. فقبلها بـ 1913 سنة، هزم الرومان الأسطول المصري في موقعة أكتيوم البحرية، وتقدمت قواتهم لاحتلال مصر احتلالًا دام 650 سنة، لكن أجهزة دعاية كليوباترا السابعة أخر من حكمت مصر من البطالمة أطلقت أخبار النصر المؤزر، وقد عبر أحمد شوقي عن هذا الموقف تعبيرًا رائعًا في افتتاحية مسرحيته الشعرية "مصرع كليوباترا".
 وبعدها بـ 85 سنة صحونا يوم 5 يونيو 67 على البيانات الكاذبة التي تنبئنا بإسقاط العشرات من الطائرات الإسرائيلية وبتقدم قواتنا خلف خطوط العدو، وبعد خمسة أيام أفاق الناس على الحقيقة المرة.
 "ما أشبه البارحة بأول البارحة وأول أول البارحة".
 أما الخديوي توفيق فقد كان سعيدًا للغاية، لقد أصبح حلمه بالتخلص من عرابي ومن الحركة الوطنية "قاب قوسين أو أدنى"، ولا يهمه في شيء إذا تم ذلك بقوة البوارج الإنجليزية، أو إذا ضاعت مصر كلها واستقلالها من أجل الحفاظ على كرسي عرشه. ورغم أن بعض قوات عرابي قامت بحصار قصر الخديوي في الإسكندرية، إلا أن عرابي تراجع مرة أخرى عن الإطاحة بالخديوي، مصدقًا نصائح الناصحين، بأهمية الحفاظ على وحدة الصف الوطني!


 أي صف وأي وطني بعد أن أسفر الخديوي عن وجهه القبيح؟
 ورغم أن عرابي مؤمن، ورغم أن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، فإن عرابي لدغ من نفس الجحر ثلاث مرات أو أربع!!!!
 في المقابل كان رد الفعل الشعبي في الإسكندرية وفي غيرها من الأقاليم عنيفًا وعشوائيًا وموجهًا في غير محله، بسبب غياب قيادة سياسية شعبية تنظم حركة الجماهير، ففي الإسكندرية تصاعدت أعمال العنف ضد الأجانب بلا تمييز، ويروي نينيه رئيس الجالية السويسرية وصديق العرابيين أنه تعرض للفتك به لولا تدخل ضابط كان يعرفه لإنقاذه من بين أيدي الجماهير الغاضبة. كذلك جرى الاعتداء على الأجانب في طنطا والمحلة وقتل ثمانين منهم، وتصرف عرابي بسرعة لوقف الفتنة فقام بإرسال فرقة عسكرية بقيادة الفريق راشد باشا حسني إلى الغربية وفرقة بقيادة علي باشا فهمي إلى المنوفية لحفظ الأمن وحماية الأجانب والقبض على مدير الغربية ومدير المنوفية وتقديمهما للمحاكمة العسكرية، وحال حرص مدير الفيوم يعقوب بك صبري ومحافظ القاهرة الأميرالاي إبراهيم بك فوزي ويقظتهما دون تكرار مثل هذه الحوادث.



 وكانت الطامة الكبرى بقرار إحراق الإسكندرية يوم 12 يوليو لإعاقة احتلال الإنجليز لها، بدلا من التصدي للإنزال البري والاشتباك مع القوات البريطانية التي لم يكن عددها يتجاوز 5700 من جنود الأسطول. وقد قاد الحريق سليمان سامي داود قائد الآلاي السادس رغم معارضة عرابي، وشارك بعض الأجانب بإحراق ممتلكاتهم حتى يطالبوا بالتعويض بعد انتهاء المعارك، وعندما حاول البحارة الأجانب إخماد الحريق أمر سيمور قائد الأسطول البريطاني برحيلهم فورًا، حتى يكتمل احتراق المدينة.
 مرة أخرى ما أشبه البارحة بأول البارحة، لقد حدث للإسكندرية مثل ما حدث للفسطاط في أواخر عصر الدولة الفاطمية، فعندما ضعف الخلفاء وبدأ الصراع يحتدم بين شاور وضرغام على الوزارة لجأ طرفي الصراع للقوى الخارجية، الزنكيين والفرنجة، وعندما هُزم شاور واقترب الفرنجة من العاصمة أمر شاور بإخلاء الفسطاط من أهلها وأحرقها حتى لا تقع في أيديهم.


 وفي ليلة 12 / 13 يوليو تم انسحاب الجيش المصري من الإسكندرية، وعودة الخديوي إلى قصر رأس التين تحت حماية الإنجليز، وهجر المدينة 150 ألف من سكانها.
 وعلى الجانب الآخر تعالت في بريطانيا أصوات الاحتجاج، فاستقال جون برايت الوزير البريطاني في حكومة حزب الأحرار برئاسة جلادستون احتجاجًا على المذبحة والهمجية الإنجليزية واصفا ما حدث بأنه "انتهاك صارخ للقانون الدولي وقانون الأخلاق"، مثلما فعل روبين كوك في مواجهة مشاركة بريطانيا في العدوان على العراق.
 واعترض السير ولفرد لاوسن أحد نواب الأحرار في مجلس العموم على ما حدث واصفا إياه بأنه "فظاعة دولية وعمل يجمع بين الجبن والقسوة والإجرام"، مثلما فعل النائب العمالي جورج جلاوي.
 لكن لا استقالة الوزير أتت بنتيجة ولا اعتراض النائب، فأغلبية أعضاء مجلس العموم بانتماءاتهم الحزبية المختلفة كانوا يؤيدون السياسة الاستعمارية.
 مع ذلك لم تكن مسيرة الاحتلال سهلة ويسيرة.

الدستور 5 سبتمبر 2007

الثلاثاء، 20 يونيو 2017

11 يوليو 1882... من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات
11 يوليو 1882...
عماد أبو غازي
 11 يوليو عنوان كتاب صغير مهم للأمير عمر طوسون أحد الذين عرفوا بمواقفهم الوطنية من أفراد أسرة محمد علي، يؤرخ لذلك اليوم الكئيب في التاريخ المصري الحديث، كان يوم 11 يوليو 1882 من الأيام الفاصلة في التاريخ المصري، فيه بدأ أولى خطوات الاحتلال البريطاني لمصر الذي استمر خمسة وسبعين عامًا، في ذلك اليوم بدأت سفن الأسطول البريطاني تقصف مدينة الإسكندرية تمهيدًا للإنزال البري لاحتلال مصر، استمر الضرب من السابعة صباحًا حتى السادسة مساء تخللته فترات توقف قليلة، وأترك الحديث لشهود العيان لنستمع معًا إلى أصواتهم القادمة من الماضي.


 قال الزعيم أحمد عرابي في مذكراته التي كتبها بعد عودته من المنفى "كشف الستار عن سر الأسرار": "نار المدافع صُبت على القلاع والحصون والترسانة وسراي رأس التين، وبالجملة على جميع أرجاء المدينة صباح الثلاثاء 11 يوليه سنة 1882، ولم تجاوبها مدافع القلاع إلا بعد إطلاق مدافع الأسطول نحو عشرين طلقة، ثم استحر القتال بين الأساطيل الإنجليزية وقلاع الإسكندرية بعد ذلك إلى منتصف النهار، ثم أخذت نيران الاستحكامات في التناقض حتى تم تدميرها قبيل الغروب".


 أما جون نينيه عميد الجالية السويسرية في مصر وقت الأحداث، المتعاطف مع الوطنيين المصريين، فيصف في كتابه "عرابي باشا" مقاومة مدافع الجيش المصري المتمركزة في الطوابي والقلاع والحصون لعملية ضرب الأسطول البريطاني للإسكندرية، فيقول: "أجابت بطاريات الحصون على ضرب الأسطول بعد الطلقة الخامسة، وكان رماة المدافع يطلقون قنابلها بحماسة وإحكام أدهشا خصومهم الذين استمر عملهم الجهنمي عشر ساعات ونصف متوالية دون أن يستطيعوا المباهاة بنصر حاسم".


 ويقول في موضع آخر: ""وكانت بوارج الأسطول تمرح في رميها ومدافعها تطلق قنابلها على مرمى بعيد وتصيب بطاريات الشواطئ ولا تُستهدف للخطر، وكل قنبلة منها يبلغ طولها مترًا و30 سنتي وزنتها 480 رطلًا وحشوها 370 رطلًا من البارود، وثمن الواحدة سبعون جنيهًا، وقد سقطت أولى هذه القنابل الهائلة في طابية رأس التين دون أن تنفجر، فاستوقف مشهدها نظر الجند والضباط، وقال ملازم ثان وهو يشاهدها: أيها الإخوان تعالوا وانظروا مثلًا من "إنسانية الإنجليز!" قالها بلهجة تشف عن الذكاء الساخر، فضحك السامعون جميعًا وواجهوا الضرب وهم باسمون".
 ويصف نينيه حماسة المصريين في الدفاع عن وطنهم فيقول: "فما كان أبدع هذا المنظر، منظر الرماة المصريين الذين كانوا قائمين على مدافعهم وهي مكشوفة في العراء وكأنما هم في استعراض حربي لا يرهبون الموت الذي يكتنفهم إذ لم يكن لهم دروع واقية ولا متاريس وكانت معظم الحصون بلا ساتر، ومع ذلك فهؤلاء الشجعان من أبناء النيل كنا نلمحهم وسط الدخان الكثيف كأنهم أرواح الأبطال الذين سقطوا في حومة الوغى ثم بعثوا ليكافحوا العدو من جديد ويستهدفوا لنيران مدافعه، وكان الأئمة يزورون الحصون ويشجعون المقاومة، وقام الجميع بواجبهم من جند ورجال ونساء وصغار وكبار، ولم يكن ثمة أوسمة ولا مكافأت تستحث أولئك الفلاحين على أداء واجبهم، بل إن عاطفة الوطنية والثورة على الفظائع التي استهدفوا لها كانت تستثير الحماسة في صدورهم وهم أولئك الشجعان المجهولون الذين لم يفكر أحد في آلامهم".
 ويؤكد شهود العيان الذين عاصروا الأحداث وشاركوا فيها مشاركة طوائف الشعب رجالا ونساء في الدفاع عن المدينة، فقال الشيخ محمد عبده في مذكراته: "كان الرجال والنساء تحت مطر الكلل ونيران المدافع ينقلون الذخائر ويقدمونها إلى بعض بقايا الطوبجية الذين كانوا يضربونها، وكانوا يغنون بلعن الأميرال سيمور ومن أرسله".
 وقال عرابي: "وفي أثناء القتال تطوع كثير من الرجال والنساء في خدمة المجاهدين ومساعدتهم في تقديم الذخائر الحربية وإعطائهم الماء وحمل الجرحى وتضميد جروحهم ونقلهم إلى المستشفيات".
  وقال محمود باشا فهمي في كتاب البحر الزاخر: "ورأيت في ذلك الوقت بعيني ما حصل من غيرة الأهالي بجهة رأس التين وأم كبية وطوابي باب العرب وهمتهم في مساعدة عساكر الطوبجية من جلبهم المهمات والذخائر وخراطيش البارود والمقذوفات هم وسائر نساؤهم وأولادهم وبناتهم والبعض من الأهالي صار يعمر المدافع ويضربها على الأسطول".


  لكن الحماسة والشعور الوطني وحدهما لا يكفيان لتحقيق النصر، فتوازن القوى العسكري، والقدرة على التخطيط والقيادة غير متكافئة، ولنستمع إلى عرابي الذي قال في مذكراته: "إن مقذوفات المدافع القديمة كانت لاتصل إلى السفن الإنجليزية، ومدافع أرمسترنج لم يكن لها من المساطر التي تضبط المسافات وتحكم الإصابة إلا بواسطتها إلا مسطرة واحدة، كانت في ميدان الرماية والتعليم بالعباسية" يا سلام على روعة التخطيط! يستطرد عرابي في حديثه عن المسطرة اليتيمة اللي حيلتنا فيقول: "واستحضرت ليلا وتسلمها سيف النصر بك قومندان طابية الفنار فكان يطلق المدافع بنفسه وينتقل من مكان إلى آخر ويحكم الإصابة بواسطة المسطرة المذكورة، ولو كانت مدافع أرمسترنج ذات مساطر لأمكنها تعطيل كافة الدوارع الإنجليزية بما تقذفه عليها من المقذوفات الصائبة."
 أما نينيه فيقول: "ومع أن مدافع أرمسترنج المصرية كانت أقل عيارًا من المدافع الإنجليزية فإن رماتها أدوا واجبهم على أكمل وجه بحيث أن سبع مدرعات إنجليزية أصيبت بعطوب بعضها جسيم وبعضها خفيف".


 فكانت النتيجة كما قال عرابي "استشهد من رجال الطوابي وحدهم مائة رجل وامرأتان من المتطوعات اللواتي كن يضمدن الجرحى، وهذا طبعًا عدا خسائر الأهلين في المدينة"، ويقدر عبد الرحمن الرافعي خسائر المصريين بألفي قتيل مقابل خمسة قتلى من الجانب البريطاني... فماذا كان رد الفعل؟
الدستور 29 أغسطس 2007



الاثنين، 19 يونيو 2017

الطريق إلى الاحتلال... من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات
الطريق إلى الاحتلال
عماد أبو غازي
 في سنة 1882 كانت بريطانيا مبيتة العزم لاحتلال مصر، ولتحقيق النجاح فيما فشلت فيه قبلها بخمسة وسبعين سنة، كانت تلعب في أكثر من اتجاه:
 الاتجاه الأول: تهيئة المجتمع الدولي لتقبل احتلالها لمصر خاصة منافستها فرنسا.
 الاتجاه الثاني: تحييد موقف السلطان العثماني، فرغم أنه كان لا بيصد ولا بيرد، لكنه كان نظريًا صاحب الحق "الشرعي" في حكم مصر رسميًا منذ احتلال سليم الأول العثماني لها سنة 1517.
 الاتجاه الثالث: السيطرة على الخديوي الجديد الذي كان قد سلم أوراق اللعبة بالكامل لانجلترا وفرنسا منذ اليوم الأول لتوليته حكم مصر، لأنه كان يجد فيهما الحماية من شعبه.
 الاتجاه الرابع والأهم: البحث عن حجة للتدخل العسكري في مصر التي كانت تديرها حكومة وطنية، حجة في شكل أزمة تظهر فيها تلك الحكومة الوطنية أمام العالم على أنها عاجزة عن إدارة شئون البلاد وتقودها نحو الفوضى.
 وبالطبع قبل ذلك وبعده كان هناك تحركات الأسطول البريطاني بالقرب من الشواطئ المصرية، ومن باب إشعار فرنسا بأنها شريك فقد اعتمد التكتيك البريطاني على أن تكون التحركات مشتركة مع الأسطول الفرنسي.
الخديوي وشريف باشا وقادة الثورة
 كان الكل يلعب على الساحة المصرية، واللعب كله يصب في مصلحة بريطانيا، الخديوي المعزول إسماعيل باشا يرتب المؤامرات بالتعاون مع الضباط الشراكسة الخصوم التقليديين للعرابيين، والخديوي توفيق يفتعل المشاكل مع الحكومة الوطنية ويتعدى على سلطاتها المنصوص عليها في الدستور مستقويًا بإنجلترا وفرنسا ويسعى لشق صفوف الحركة الوطنية، والسلطان العثماني يعك الدنيا بارتباكه وضعفه، ويلعب لصالح إنجلترا متصورًا أنه يستعيد نفوذ السلطنة في مصر الذي فقدته تدريجيًا منذ عصر محمد علي، والعرابيون مرتبكون مترددون يرتكبون الخطأ وراء الخطأ ويضيعون الفرصة وراء الفرصة، تنصب لهم الفخاخ من كل جانب فيقعون فيها المرة بعد المرة.
 في أواخر مارس 1882 انتهت دورة مجلس النواب الذي قدم نموذجًا لحياة برلمانية مكتملة الأركان، تؤكد نضج الوعي السياسي في مصر منذ أكثر من قرن وربع القرن وعدم حاجته إلى وصاية الأوصياء، لكن فترة العطلة البرلمانية شهدت أزمة في الجيش أمتد تأثيرها إلى البلاد كلها، عندما أكتشف المسئولون  مؤامرة خطط لها بعض الضباط الشراكسة بقيادة عثمان باشا رفقي ناظر الحربية السابق، لاغتيال أحمد عرابي وعدد من القادة العسكريين الوطنيين وبعض الوزراء، وشكل عرابي باعتباره ناظرًا للحربية مجلس تحقيق عسكري برئاسة الفريق راشد باشا حسني الشركسي المعروف بنزاهته واعتداله، كما قال المؤرخ عبد الرحمن الرافعي، وقد تعمد أن يكون رئيس المجلس شركسيًا حتى يكون التحقيق خاليًا من الأغراض. وانتهى التحقيق بإدانة المتآمرين وعددهم أربعين، والحكم عليهم بالعزل والنفي إلى السودان مع التجريد من رتبهم، وبدأت الأزمة مع رفض الخديوي التصديق على الحكم، وطلب المشورة من إنجلترا وفرنسا، ورفع الأمر إلى السلطان العثماني، الأمر الذي اعتبرته الحكومة الوطنية إهدارًا لاستقلال مصر، وطلبت دعوة مجلس النواب، فرفض الخديوي دعوته، فدعته الحكومة للاجتماع بصورة غير رسمية، وبدأ الانقسام في صفوف الحركة الوطنية فرأى البعض ضرورة عزل الخديوي ـ وليتهم فعلوا ـ لكن جناح آخر بزعامة سلطان باشا رئيس مجلس النواب رأى العمل على حل النزاع بشكل ودي حفاظًا على وحدة البلاد، وللأسف انتصر هذا الرأي في النهاية.
 وكان الخلاف بين الحكومة والخديوي الحجة التي بررت بها إنجلترا القيام بمظاهرة بحرية بالاشتراك مع فرنسا في المياه الإقليمية المصرية، وفي يوم 25 مايو 1882 بعثت إنجلترا وفرنسا بمذكرة رسمية إلى محمود سامي البارودي رئيس مجلس النظار تطالبانه فيها بالاستقالة وإبعاد عرابي عن مصر مؤقتًا وإبعاد اثنين من قادة الثورة عن العاصمة مؤقتًا هما علي باشا فهمي وعبد العال باشا حلمي، وبالطبع رفضت الحكومة الوطنية مطالب الدولتين، لكن الخديوي توفيق قبلها، فقد كانت هذه المطالب غاية ما يتمناه.
 وكان رد فعل الحكومة على قبول الخديوي للمذكرة الثنائية الاستقالة في يوم 26 مايو 1882، لقد تعاملت الوزارة الوطنية وفقا للمبادئ البرلمانية في الدول العريقة، لكنها بذلك حققت غرض إنجلترا وفرنسا، وغرض الخديوي المعادي للدستور وللحركة الوطنية؛ وباستقالة وزارة محمود سامي البارودي أخذت الأحداث تتصاعد بسرعة نحو اللحظة المحتومة لحظة الاحتلال البريطاني لمصر.
 ترك الخديوي البلاد بلا حكومة لمدة أسبوعين، وحاول عرابي ورفاقه مرة أخرى عزل الخديوي الخائن بدعوة مجلس النواب والعلماء للاجتماع لمناقشة الأمر، لكن الانقسام كان قد بدأ يدب في صفوف الحركة الوطنية بين جناح متشدد يرى أن الأمور يجب أن تسير إلى منتهاها ويتم عزل الخديوي، بل وصل البعض إلى المطالبة بالجمهورية، وجناح معتدل يرى ضرورة "لم الشمل" و"توحيد الصف" خوفًا من الاحتلال الأجنبي الذي كان شبحه يخيم على البلاد.


 ظلت الأوضاع معلقة إلى يوم 11 يونيو 1882 عندما وقعت خناقة بين حمّار سكندري وتاجر مالطي على أجرة الحمار، المالطي دفع قرش صاغ بعد أن لف بالحمار إسكندرية كلها من الصبح لأخر النهار والحمّار عاوز تلاته تعريفه، تصاعدت الخناقة إلى أن طعن المالطي الحمّار بسكين فقتله، وهاجت إسكندرية كلها، وانطلق التطرف الممقوت من القمقم وأخذ الأهالي يقتلون الأجانب عمال على بطال، والأجانب يردون بالسلاح الناري في المليان، فسقط العشرات قتلى من الجانبين، وأسرع الخديوي بتشكيل الحكومة رغم أنفه برئاسة إسماعيل باشا راغب المقبول من العرابيين، ووجدت إنجلترا الحجة لتضرب سفن أسطولها ـ بعد ابتعاد الأسطول الفرنسي ـ الإسكندرية وتنزل قوتها على أراضيها، بعد شهر بالتمام والكمال من خناقة المالطي مع السيد العجان الحمّار، لتبدأ يوم 11 يوليو 1882 أولى خطوات الاحتلال العسكري البريطاني بسبب قرش تعريفه، لكن بين الخطوة الأولى والخطوة الأخيرة يوم 14 سبتمبر 1882 جرت أحداث كثيرة.

الدستور 22 أغسطس 2007

الأحد، 18 يونيو 2017

احتلال مصر... من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات
احتلال مصر
عماد أبو غازي
 في هذه الأيام تمر الذكرى الخامسة والعشرين بعد المئة لبداية الاحتلال البريطاني لمصر، ففي صيف 1882 أكتمل ما خططت له بريطانيا العظمى طوال سنوات؛ سنوات امتدت منذ بداية القرن التاسع عشر، حاولت بريطانيا خلالها السيطرة على مصر أكثر من مرة، لكن موازين القوى الدولية حالت بين بريطانيا وتحقيق أهدافها، لقد بدأ الاهتمام البريطاني بمصر بصورة واضحة منذ حملة بونابرت سنة 1798 التي نبهت القوى الاستعمارية الأوروبية إلى موقع مصر وأهميته في خريطة الصراعات الدولية، خاصة إنجلترا التي أدركت أهمية مصر لتأمين الطريق إلى الهند أهم المستعمرات الإنجليزية، والتي عرفت بدرة التاج البريطاني، وحاولت التصدي للحملة بالقوة العسكرية ونجحت في تدمير الأسطول الفرنسي في موقعة أبو قير البحرية، لكنها فشلت في منع بونابرت من احتلال مصر، وعند خروج الحملة الفرنسية سنة 1801 حاولت إنجلترا أن تحل محلها لكنها فشلت في ذلك، واضطرت قواتها للجلاء بعد أشهر قليلة من مصر.



 وبعد تولي محمد علي باشا حكم مصر بعامين، أي في سنة 1807 حاولت إنجلترا تنفيذ مخططها باحتلال مصر بالتعاون مع بعض أمراء المماليك، في الحملة المعروفة باسم حملة فريزر، لكن الشعب المصري تصدى للحملة وأعوانها المحليين في دمنهور ورشيد، وعادت الحملة مهزومة، وطوال عصر محمد علي وحروبه التوسعية، كانت إنجلترا حريصة على تحجيم قوة محمد علي وعدم السماح له بإقامة دولة قوية في المنطقة، وقد نجحت في قيادة تحالف أوروبي عثماني قص ريش محمد علي سنة 1840.
 ثم كان حفر قناة السويس سببًا إضافيًا للاهتمام البريطاني بمصر، فسعت بكل الطرق للتدخل في شئون مصر وسياستها الداخلية بالتعاون مع غريمتها ومنافستها في التوسع الاستعماري فرنسا.
 أخذت بريطانيا العظمى تخطط بهدوء لمشروعها لاحتلال مصر، طوال الستينيات والسبعينيات من القرن التاسع عشر كانت بريطانيا تحكم الخناق على مصر تدريجيًا، وكان إغراق مصر في الديون الوسيلة الأساسية لتحقيق هذا المخطط، خاصة في عصر الخديوي إسماعيل، مستغلة في ذلك طموحه السياسي للاستقلال عن الدولة العثمانية، وحلمه بأن يجعل مصر "قطعة من أوروبا"، وعندما أدرك إسماعيل متأخرًا خطورة الموقف واتجه إلى الالتقاء بالحركة الوطنية المصرية المطالبة بالإصلاح السياسي والدستور ووقف التدخل الأجنبي قي شئون مصر، خططت بريطانيا مع حلفائها الأوروبيين لعزله ونفيه من البلاد وتعيين ابنه محمد توفيق خديوي على مصر في سنة 1879، كان استصدار فرمان من السلطان العثماني العاجز، "رجل أوروبا المريض"، كما كانوا يسمونه، أمرًا سهلًا ميسورًا، أما الخديوي توفيق فقد كان ممتنًا لبريطانيا وفرنسا اللتان صعدتا به إلى عرش مصر، وبالتالي كان مطيعًا لهما منفذًا لأوامرهما على حساب مصر ومصالحها ومصالح شعبها، اصطدم توفيق بالحركة الوطنية فانفجرت الثورة العرابية في عام 1881، وشعرت بريطانيا بأن مصر ستضيع منها فأخذت تسرع الخطى نحو تحقيق مشروعها الاستعماري في مصر.



 وفي الوقت الذي كانت بريطانيا تعد العدة فيه لاحتلال مصر كانت تصريحات ساستها تسعى إلى تضليل العالم حول حقيقة أهدافها، ففي 21 سبتمبر 1881 وبعد أيام قليلة من مظاهرة عابدين التاريخية التي قاد فيها عرابي الجيش والشعب لعرض مطالب الأمة على الخديوي، يصرح السير إدوارد ماليت القنصل الإنجليزي في مصر قائلًا:
 "إن حكومة جلالة الملكة لا ترمي إلى احتلال مصر أو ضمها ولا تبغي بعملها إلا صيانة سيادة السلطان وتوطيد سلطة الخديوي".

إدوارد ماليت
 وفي 4 أكتوبر من نفس العام يقول اللورد جرانفيل في تصريح للسفير التركي في لندن موزوروس باشا:
 "ليس لنا أي غرض في العمل على احتلال مصر أو ضمها إلينا وكل ما نبغيه إنما هو بقاء القديم على قدمه مع صيانة حقوق السلطان".
 لكن الأمور تسير في اتجاه معاكس وقبل أقل من عام وعلى وجه التحديد في 11 يوليو 1882 تضرب السفن البريطانية بقيادة الأميرال سيمور الإسكندرية بسبب خناقة وقعت بين حمار مصري ورجل مالطي، ويصرح جرانفيل كاذبًا مرة أخرى عشية العدوان قائلًا:
 "يقتصر عمل الأميرال سيمور في المستقبل بإزاء مصر على دفاع الأسطول الشرعي دون أن يكون ثمة غرض خفي للحكومة البريطانية".
جرانفيل
 لكن هناك بالطبع غرض هو احتلال مصر، رغم تصريحات جلادستون رئيس الوزراء البريطاني في 24 يوليو 1882 والتي قال فيها:
 "ليس لإنجلترا مطمع في مصر وهي لا تبغي بإرسال جنودها إليها إلا إعادة النظام وتوطيد سلطة الخديوي المفقودة، وقد صحت عزيمتها على أن تترك لأوروبا وضع الحل النهائي للمسألة المصرية".
 وهي الأقوال التي كررها الأميرال سيمور بعدها بيومين في خطاب إلى الخديوي الذي باع مصر من أجل الحفاظ على سلطاته الاستبدادية، فلم تكن الثورة العرابية تسعى إلى خلعه ـ وربما كان هذا أحد أخطائها ـ بل إلى إقرار الحقوق الدستورية للأمة، قال سيمور للخديوي:
 "أظن أن الوقت ملائم لأن أؤكد لسموكم من جديد بصفتي أميرال الأسطول الإنجليزي أن حكومة بريطانيا العظمى ليس لها غرض مطلقًا في فتح مصر أو التعرض لدين المصريين وحريتهم بحال ما بل أن غايتها الوحيدة هي حماية شخصكم وحماية الشعب المصري من الثائرين".
 يا سلام! طيب حماية شخص الخديوي مفهومة، لكن حماية الشعب المصري من الثائرين! يعني حماية الشعب من نفسه! عمومًا هذه دومًا لغة المستعمر.
 وتستمر الأكاذيب الإنجليزية فيقول جلادستون رئيس الوزراء البريطاني في 9 أغسطس بعد نزول القوات البريطانية إلى الأراضي المصرية واحتلالها الإسكندرية:
 "أعلن بأعلى صوتي إلى العالم المتمدين أن ليس لإنجلترا في مصر منافع خاصة وإنما هي منافع للعالم أجمع، إننا لم نذهب إلى مصر إلا لننقذ شعبها من الظلم والاستبداد العسكري".
 كانت هذه تصريحات قادة السياسة البريطانية لكن واقع الحال كان مختلفًا.
 وللقصة بقية.

الدستور 15 أغسطس 2007

السبت، 17 يونيو 2017

هلوسة صيفية على هامش دنشواي اتنين! من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات
هلوسة صيفية على هامش دنشواي اتنين!
عماد أبو غازي
 "لا مراء في أن حادثة دنشواي هي من حوادث مصر التاريخية التي لا تُنسى على مر السنين".
 تذكرت تلك العبارة للمؤرخ عبد الرحمن الرافعي وأنا أتابع ما تنشره الصحف عن حادثة دنشواي الثانية، التي وقعت في القرية منذ أيام قليلة. عندما أطلق أحد أثرياء القرية ـ كما تصفه الصحف ـ النار على الأهالي المتجمهرين يحاولون منعه من تركيب محطة تقوية لإحدى شركات المحمول فوق منزله، أسفر إطلاق النار عن مصرع شاب في السادسة عشرة من عمره، وإصابة عدد من أبناء القرية، وتدخل الأمن ليوقف الاشتباكات ويقبض على الثري المتهم بالقتل، وتتحفظ النيابة العامة على المصابين في المستشفيات بتهمة التجمهر وإتلاف الممتلكات الخاصة والتعدي والضرب.
 وبالطبع فإن للواقعة روايات متعددة، فبعض الصحف تتحدث عن تجمهر الأهالي لمنع صاحب المنزل من إقامة محطة المحمول فوق منزله، رغم تحذيرهم المتكرر له خوفًا من الأضرار الصحية لمحطات المحمول، وقيام صاحب المنزل بالاستعانة برجاله وأتباعه بإطلاق الأسلحة النارية عليهم لإرهابهم، فكان هو المعتدي وفقًا لهذه الرواية، بينما تذكر صحف أخرى أن آلاف من أبناء القرية هاجموا منزل الرجل بالفؤس والحجارة والعصي وتعدوا عليه وعلى أهل بيته، فأطلق النار عليهم، فهو هنا يدافع عن نفسه.
 وقد تكررت أحداث مماثلة في عدد من قرى مصر ومدنها الصغيرة في السنوات الماضية، لكن لأن القرية التي وقعت فيها الأحداث "قرية دنشواي"، فقد تصدر الحادث العناوين الرئيسية لعدد من الصحف، وحظي بتغطية إعلامية كبيرة، كان الربط فيها بين حادثة دنشواي القديمة وحادثة دنشواي الثانية قاسمًا مشتركًا. وكأن هذه القرية الصغيرة من قرى محافظة المنوفية مكتوب عليها أن تعيد مأساتها مرة أخرى، بعد مئة عام وعام وشهر، ففي العام الماضي احتفلنا بمؤية حادثة دنشواي، وها نحن أمام دنشواي جديدة.
 لكن هل حقا يمكن أن نعتبر أن ما حدث في الأسبوع الماضي يماثل ما حدث منذ مئة عام وعام؟
 للتذكرة، تبدأ حادثة دنشواي 1906 عندما غادرت كتيبة من الجيش البريطاني القاهرة متوجهة إلى الإسكندرية، وتوقفت بمنوف للراحة، فأبلغ خمسة من ضباط الكتيبة مأمور المركز رغبتهم في الصيد بقرية دنشواي القريبة، والمشهورة بتربية الحمام، فطلب المأمور من أحد أعيان بلدة الواط أن يعد لهم راكيب تتولى نقلهم لبلدة دنشواي، وذهب الضباط بصحبة أومباشي من نقطة الشهداء وترجمان مصري، وتوجه الأومباشي إلى العمدة ليبلغه ليتخذ الاحتياطات اللازمة، لكن العمدة كان غائبا، ولم ينتظر الضباط عودته، فانقسموا فريقين فريق وقف على السكة الزراعية لصيد الحمام من على الأشجار، والفريق الآخر دخل إلى القرية وتوغل في وسط أجران القمح، ومن هنا بدأت رحلة الصيد العادية التي تكررت مئات المرات من قبل تتحول إلى حادثة هزت مصر وامتدت آثارها إلى العالم، عندما صوب أحد الضباط بندقيته نحو حمامتين واقفتين على جرن قمح فتسببت رصاصة طائشة في إشعال النار في الجرن، وأصابت رصاصة أخرى زوجة صاحب الجرن بجراح وتصور الناس أنها ماتت، وتصاعدت الأحداث عندما مات ضابط إنجليزي بضربة الشمس،  ونعرف جميعا ما حدث بعد ذلك من محاكمات انتهت بإعدام وسجن وجلد عدد من أهالي القرية المنكوبة.
 فهل يمكن أن نقارن ما حدث يومها بما حدث بالأمس القريب؟
 من اللافت للنظر في دنشواي الجديدة عدة أمور، أولها: الدور الذي أصبح المسجد يلعبه في التحريض وفي تحريك الناس في الشارع، هذا الدور الذي تعاظم مع غياب الأحزاب السياسية عن الساحة، فكثيرًا ما نسمع في السنوات الماضية عن جرائم التحريض من فوق منابر المساجد ضد حق المواطنين المسيحيين في بناء الكنائس، وفي الأسبوع الماضي نشرت جريدة البديل عن واقعة تحريض جديدة في أطسا بالفيوم، "بطلها" إمام مسجد، لكنها هذه المرة ضد مواطن مسلم رفض أن يضم حديقة منزله إلى المسجد المجاور، فحرض إمام المسجد المصلين ليقتحموا المنزل ويعتدوا على صاحبه وأسرته ويضم الحديقة بالقوة للمسجد!
 وفي واقعة دنشواي اتنين أيضًا لعب أئمة المساجد دورًا في التحريض على منع إقامة محطة تقوية المحمول بالقوة، إننا أمام ظاهرة أصبح فيها أئمة المساجد يلعبون دورًا خطيرًا في المجتمع، يبدأ من التحريض على البلطجة باسم الدين ضد الكنائس وضد أملاك الغير إلى التدخل بالفتوى في كل أمر معلوم لشيخ الجامع أو غير معلوم، وهذا أمر خطير.
 ثانيها: اتجاه الناس إلى منطق قانون الغابة، كلٍ يفعل ما يريد، كل واحد يسعى إلى تطبيق قانونه بالقوة، وأخذ ما يتصوره حق له بأيديه، بدلًا من اللجوء إلى القضاء والاحتكام للقانون، فالناس ترى أن القانون العام لا يطبق على الجميع، فمادام ذلك كذلك، فاللي إيده تطول حاجه ياخدها، وهذا خطر ثاني.
 الأمر الثالث التناقض الذي أصبحنا نعيش فيه، في سلوكنا وتفكيرنا، فكلنا نستعمل المحمول ونبالغ في استخدامه، ومن المؤكد أن هناك آلاف من أجهزة المحمول في قرية دنشواي، فترى كيف تعمل هذه الأجهزة دون محطات إرسال ومحطات تقوية، كلنا نريد أن نقتني المحمول ونستخدمه، لكننا نرفض مستلزماته ومتطلباته وبنيته الأساسية، ونقاتل من أجل منع إقامتها!!!

الدستور 8 أغسطس 2007

أيام محمد علي... من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات
أيام محمد علي
عماد أبو غازي
 "أيام محمد علي ـ التمايز الاجتماعي وتوزيع فرص الحياة"، الكتاب الأول للباحث الراحل محمد حاكم، من أحدث ما صدر عن المجلس الأعلى للثقافة، صدر قبل رحيل حاكم بأيام قليلة، الكتاب كان في الأصل البحث الذي حصل به محمد حاكم على درجة الماجستير، من كلية الآداب بجامعة القاهرة في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، تحت إشراف أستاذه الدكتور محمود الكردي، في هذا البحث جمع محمد حاكم المتخصص في علم الاجتماع، بين دراسة الاجتماع والتاريخ والوثائق في براعة فائقة، وقدم إضافة علمية مهمة في كل من المجالات الثلاثة.


 عندما قرر محمد حاكم أن يكون البحث العلمي طريقه في الحياة، اتجه الشاب القادم إلى القاهرة من مناطق التخوم بين القرية والمدينة في ريف الدلتا، والحالم بتغيير العالم، إلى دراسة علم الاجتماع الريفي، واعتبر أن دراسة القرية المصرية وأوضاعها المدخل السليم لتغيير الواقع، لكنه اكتشف دراسة القرية بمعزل عن دراسة المدينة أمرًا مستحيلًا، كما أن عاشق القرية والفلاح كان أيضًا عاشقًا للتاريخ، وقد اكتشف أن إرادة تغيير الحاضر وصنع المستقبل رهينة بفهم الماضي ودراسته، فاتجه إلى التاريخ.
 اختار محمد حاكم التحرر من الأطر التقليدية لعلم الاجتماع، عندما اختار لدراسته موضوع الصراع على فرص الحياة بين الريف والمدينة، وقضية استحواذ المدينة على فائض ما ينتجه الريف، عندما رفض الالتزام بالتقسيمات التقليدية في علم الاجتماع بين الاجتماع الريفي والاجتماع الحضري (دراسة المدينة)، وعندما اختار مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، أي عصر محمد علي، زمنًا تاريخيًا للدراسة، وعندما لجأ إلى الوثائق والدفاتر والسجلات المتناثرة بين الأرشيفات المصرية المختلفة، ليستمع إلى أصوات المقهورين عبر الزمن، ويسمعنا إياه.
 انطلق حاكم في دراسته للعلاقة بين الريف والمدينة في عصر محمد علي من حقيقة أن العلاقة بين القرية والمدينة تأخذ شكل التناقض والصراع الاجتماعي بينهما، الصراع على فرص الحياة، المدينة مركز القوة والسلطة تسعى للاستحواذ على وسائل الإنتاج من خلال السيطرة على الأرض الزراعية التي تحوز السلطة الحاكمة وسكان المدن الجزء الأكبر منها، وعلى الناتج الفائض للريفيين المتمثل فيما يزرعونه من خلال الاستيلاء على قسم كبير من المحصول ومن خلال الضرائب المتنوعة، هذا الاستحواذ الذي رأى فيه محمد حاكم البؤرة في علاقات الاقتصاد والسلطة.
 وتوقف عند النصف الأول من القرن التاسع عشر باعتباره نقطة محورية في التاريخ المصري، عصر شهد تحولات مهمة استمرت تأثيراتها في التكوين المصري الحديث إلى يومنا هذا، لقد شدت شخصية محمد علي وما قام به من تغيير لوجه المجتمع المصري محمد حاكم فغرق في ذلك العصر، لكنه لم يقع فيما يقع فيه كثير من الباحثين من ولع بالعصر الذي يدرسونه، لقد عاد محمد حاكم إلى القرون السابقة على عصر محمد علي كي يفهم ذلك العصر، كما وضع في اعتباره ما تلاه من عصور حتى يتتبع تأثيراته، أذكر جيدًا كيف أمضى محمد حاكم سنوات من دراسته في قراءة مجلدات من مصادر العصر العثماني مدققًا فيها كلمة كلمة، وباحثًا وراء ما لم تبح به تلك المصادر، ثم جاءت علاقته بالوثائق التي فعلت معه فعل النداهة، فغاص في بحورها دون أن يغرق فيها، واستفاد منها دون أن يقع في فخ التسليم بكل ما تحويه، فقد تعامل معها تعاملًا نقديًا واعيًا، قضى سنوات في البحث في دفاتر الإدارة المالية في العصر العثماني وزمن الحملة الفرنسية وعصر محمد علي والموزعة بين دار الوثائق القومية ودار المحفوظات العمومية، حتى أصبح خبيرًا في خطوطها الصعبة عالمًا بمصطلحاتها الدقيقة، وهنا أتذكر تلك الشهور الطويلة التي بلغت تسعة أشهر، والتي أمضاها محمد حاكم في تدقيق الأرقام في تلك الدفاتر ليستخلص منها جدولًا شغل صفحة واحدة في رسالته، لكنه كان ثورة في المعرفة العلمية عن ذلك العصر.
 وينقسم كتاب "أيام محمد علي" إلى مقدمة وأربعة فصول وخاتمة، في المقدمة استعرض محمد حاكم أسئلته التي سعى للإجابة عليها، ومنهجه، ومصادره، وفي الفصل الأول درس نمط التحضر في مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وركز في الفصل الثاني على دراسة التمايز الاجتماعي داخل القرية المصرية، وقد ناقش في هذا الفصل الخطاب العلمي والاستشراقي والحكومي الذي ظل يتعامل مع القرية المصرية باعتبارها وحدة متجانسة، أما الفصل الثالث فقد اهتم بدراسة الاستحواذ المديني على القرية من خلال استحواذها على وسائل الإنتاج الريفية وعلى فائض الإنتاج، وفي الفصل الرابع يناقش جانب آخر من جوانب الاستحواذ من خلال تحليل علاقات السلطة والمقاومة.
 لقد تأخر صدور هذه الدراسة لما يقارب السنوات العشر، لكنها صدرت أخيرًا لتحتل مكانها إلى جانب دراسة خالد فهمي، زميل محمد حاكم ومجايله، عن الجيش في عصر محمد علي، والتي صدرت بعنوان: "كل رجال الباشا" عن دار الشروق منذ عدة سنوات، والدراستان معًا تشكلان رؤية جديدة لعصر محمد علي من وجهة نظر جديدة تبناها جيل جديد من الباحثين، حملت لأول مرة أصوات المقهورين.

الدستور 1 أغسطس 2007