الاثنين، 22 مايو 2017

الاتفاق الجنائي على حب الوطن!! من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات
الاتفاق الجنائي على حب الوطن!!
عماد أبو غازي
 في مثل هذه الأيام من شهر يوليو عام 1910 صدر ديوان وطنيتي للشيخ علي الغاياتي المحرر بجريدة اللواء، ذلك الديوان الذي يعد علامة في تاريخ الشعر المصري الحديث، ليس لقيمة ما ورد فيه من قصائد من الناحية الفنية، بل لما ترتب عليه من آثار سياسية وقانونية، فقد كان أول ديوان شعر يتسبب في صدور أحكام بحبس ثلاثة من ساسة مصر وصحفيها، الشيخ على الغاياتي نفسه، والشيخ عبد العزيز جاويش رئيس تحرير جريدة اللواء والزعيم محمد فريد رئيس الحزب الوطني، والذي صدر الحكم ضده بالحبس ستة أشهر بتهمة أنه "حسّن كتاب وطنيتي وامتدحه"، بسبب تقديمه للديوان.
 والغريب في الأمر أن قصائد الديوان لم تكن جديدة بل إنها جميعًا سبق أن نشرت على مدار عامين في الصحف، ولم يحاسب أحد الشيخ الغاياتي ولا أي من رؤساء تحرير الصحف التي نشرت قصائده، فما الذي جد بين عامي 1908 و1910؟
 كانت مصر في السنوات التالية لحادثة دنشواي تعيش في ظل أجواء عدوان ثلاثي غاشم ضد الحريات العامة، وفي مقدمتها حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير، وكانت جبهة العدوان تتكون من الخديوي والحكومة وسلطات الاحتلال، وقد بدأت الحملة في ظل وزارة بطرس باشا غالي التي تشكلت في نوفمبر 1908، وذلك عندما أصدر مجلس الوزراء قرارًا في 25 مارس بإعادة العمل بقانون المطبوعات الصادر في 26 نوفمبر سنة 1881، أثناء المواجهة بين الخديوي توفيق والثورة العرابية، ذلك القانون الذي كان يمنح وزارة الداخلية سلطات واسعة في إنذار الصحف وتعطيلها ووقفها تمامًا دون إجراءات قضائية، وكانت حجة الحكومة في عودة العمل بهذا القانون بعد توقف دام قرابة 14 عامًا، رغبة أبدتها الجمعية العمومية سنة 1902! وأخرى أبدها مجلس شورى القوانين سنة 1904! بوضع حد للقدح في الأعراض الذي ينشر في بعض الصحف!
 ولم تمض أسابيع قليلة على إعادة قانون المطبوعات إلى الحياة إلا وكانت الحكومة قد بدأت في ملاحقة الصحف والصحفيين بالمحاكمة والحبس والتعطيل والإغلاق، وكان النصيب الأكبر بالطبع لصحف الحزب الوطني.
 وفي يوليو من نفس العام صدر قانون النفي الإداري الذي كان يجعل من حق السلطة الإدارية نفي من تره خطرًا على الأمن العام إلى جهات نائية بالقطر المصري.
 وعندما تشكلت وزارة محمد باشا سعيد في فبراير 1910 عقب جريمة اغتيال بطرس باشا غالي، واصلت إصدار التشريعات المعادية للحريات، فأصدرت في يوم 16 يونيو من نفس العام قانونًا يقضي بإحالة قضايا الصحافة إلى محاكم الجنايات بعد أن كانت من اختصاص محاكم الجنح، لأن الحكومة رأت أن محاكم الجنح تتهاون مع الصحفيين في أحكامها، كما أن التعديل كان يسلب الصحفي حقه في درجة من درجات التقاضي، مما يسهل مهمة الحكومة في ملاحقة الصحافة الوطنية.
 كما أصدرت في نفس اليوم قانونًا آخر بتعديل قانون العقوبات يقضي بمعاقبة المتهمين بالاتفاق الجنائي حتى ولو لم يتوافر فيه ركن الاشتراك في ارتكاب الجريمة، أي أنها شرعت محاكمة الناس على نواياهم وضمائرهم، الأمر الذي وصفه عبد الخالق باشا ثروت في إحدى مرافعاته قائلًا: "كان شديدًا علينا يوم أن جر على البلاد ما فعله السفهاء من ضرورة سن قانون الاتفاقات الجنائية، ذلك القانون الاستثنائي الذي في وجوده سبة على أمن الديار، وحجة دائمة على أننا دائمًا تحت خطر الاضطراب والهياج"، كما فرضت التعديلات قيودًا على حرية الصحف في نشر المرافعات في القضايا الجنائية، وأقرت للمرة الأولى المسئولية الجنائية على مديري الصحف بالنسبة لما ينشر فيها، حتى لو لم تتوافر أركان الاتفاق الجنائي في وقائع النشر، وأضاف التعديل عقوبة جديدة لجريمة من أغرب الجرائم أسماها التهديد بالكتابة أو بالقول ولو لم يكن مقرونًا بطلب!! ويرى المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي أن الغرض الحقيقي من وراء هذا التعديل الأخير كان معاقبة الشبان الوطنيين الذين كانوا يطوفون على أعضاء مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية، لدعوتهم لمناصرة الأمة في مطالبها.
 وأحكمت الحكومة الخناق على الحريات بإصدار لائحة المسارح التي منعت بمقتضاها تمثيل الروايات التي ورد فيها لفظ الحرية والاستقلال، كما منعت إخراج بعض الروايات التمثيلية.
 وبلغ الأمر مداه في القضية التي عرفت بقضية طنطا في نوفمبر 1910 عندما قبض على مجموعة من طلبة المدارس الثانوية بالمدينة بتهمة تكوين جمعية سرية مناهضة للنظام، ولما فشلت النيابة في إثبات التهمة عليهم عدلتها إلى إهانة مدير الغربية، والمدير هو المحافظ بلغة اليوم، وكل جريمة هؤلاء الصبية أنهم حشدوا حشدا بمعرفة المدير في محطة السكة الحديد بطنطا لاستقبال "جناب" الخديوي عند "تشريفه" للمدينة، فهتفوا ليحي الخديوي، ليحي الدستور، لتحيا مصر.
 في هذه الأجواء التي أسست للاستبداد السياسي وشرعت له قانونيًا جاءت قضية ديوان وطنيتي، وكان حبس الزعيم محمد فريد، ولتفاصيل القضية وتداعياتها حديث آخر.

الدستور 12 يوليو 2006

أخمدوا الأنفاس هذا جهدكم!!! من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات
أخمدوا الأنفاس هذا جهدكم!!!
عماد أبو غازي
 الشيء بالشيء يذكر كما يقولون، والشيء هنا ثلاثة أشياء، أولها الحديث عن دنشواي الذي قادني إلى لحظة مهمة من تاريخنا الوطني، إلى بدايات القرن الماضي حيث كانت عناصر حلقة جديدة من حلقات النهضة الوطنية والديمقراطية تتشكل في مصر، وثانيها التجليات الأدبية والفنية لتلك الحادثة التي وجهتني إلى عالم الشعر في وقت انغمست فيه في الإعداد لملتقى الشعر العربي الذي ينتظم عقده في نوفمبر القادم تحت عنوان "الشعر في حياتنا"، وثالثها قضايا حرية الصحافة المتأججة اليوم مع أحكام تصدر ضد كتاب وصحفيين في قضايا نشر، وإحالة آخرين إلى المحاكم، وتعديلات في القوانين لا تفي بمطالب نقابة الصحفيين في صون حرية الصحافة، بل ومحاولات لاستصدار قوانين جديدة تفرض مزيد من القيود على حرية الصحافة، ذكرتني هذه الثلاثية بشاعر القطرين خليل مطران ودفاعه نثرًا وشعرًا عن حرية الصحافة في مصر.

مطران
  ففي أعقاب المد الوطني الذي نتج عن حادث دنشواي شهدت مصر حملة حكومية شرسة ضد الحركة الوطنية المتصاعدة، فبقدر ما كان لحادثة دنشواي من آثار إيجابية تمثلت في دفعة كبيرة للحركة الوطنية المصرية تجلت في ظهور الحزب الوطني ككيان سياسي منظم، وفي إجبار اللورد كرومر الحاكم الفعلي لمصر منذ الاحتلال سنة 1882 على الاستقالة من منصبه، كان للحادث كذلك آثاره السلبية، فقد دفع تصاعد الحركة الوطنية بالخديوي عباس حلمي الثاني الحاكم الشرعي لمصر بعيدًا عنها وعن مواقفها، خاصة مع اتجاه الحركة الوطنية نحو التنظيم، والتفاف قطاعات أوسع من الشعب حولها، وربطها بين المطالبة بالجلاء والمطالبة بالدستور، واتجه الخديوي إلى التحالف مع سلطات الاحتلال في مصر ممثلة في السير إلدون جورست، وكانت الساحة الأساسية  للمواجهة ساحة حرية الصحافة.
جاءت المواجهة الأولى في صيف 1908 فيما عرف بقضية الكاملين؛ والكاملين بلدة في السودان شهدت انتفاضة شعبية في عام 1908، وبعد أن قمعت قوات الجيش الانتفاضة، تمت محاكمة زعماء الحركة أمام المحكمة المدنية الكبرى التي أصدرت أحكامًا بالإعدام والسجن ومصادرة الأملاك على المتهمين، وتكتمت الحكومة أخبار القضية كي لا تعيد إلى الأذهان ذكرى دنشواي، إلا أن جريدة اللواء لسان حال الحزب الوطني نشرت الخبر مع كثير من المبالغة، فقد رفعت عدد المحكوم عليهم بالإعدام من 12 إلى 70 شخصًا، وعندها اضطرت وزارة الحربية إلى إعلان الحقيقة ونشرت اللواء بيان الحربية مع تعليق يحمل التشكيك فيه، عندها أقامت الحكومة الدعوى ضد الشيخ عبد العزيز جاويش رئيس تحرير اللواء بتهمة إهانة وزارة الحربية ونشر أخبار مثيرة للخواطر، وقد انتهت القضية إلى براءة الشيخ عبد العزيز جاويش من التهمتين.
 وفي نوفمبر 1908 استقالت حكومة مصطفى باشا فهمي التي استمرت في الحكم 13 عامًا، وتشكلت حكومة جديدة برئاسة بطرس باشا غالي، التي ضمت وجوهًا جديدة، وقد استقبل رئيس الحزب الوطني محمد فريد الحكومة الجديدة مستبشرًا بها خيرًا بمقال قال فيه: "كل أعضاء هذه الوزارة من رجال العصر المتعلمين، فمنهم أربعة من حائزي الشهادات العالية في العلوم الحقوقية، وواحد من أكبر مهندسي العالم بشهادة الخاص والعام، أما رئيسهم فإنه لم يكن من حائزي الشهادات، إلا أنه ممن يشهد لهم بالنباهة والذكاء والحنكة والدهاء، فالوزارة الحالية في مجموعها من أحسن ما يتمنى لمصر والمصريين، ويرجى منها للبلاد خير عظيم، وكلهم ممن درسوا الحكومات الأوروبية، وعلموا فوائد النظام الدستوري، وأيقنوا أن لا تقدم للبلاد إلا بمنحها النظام النيابي، الذي أجمعت الأمة على طلبه من أميرها..."
 ورغم أن الحكومة قد اتخذت بعض الخطوات الإصلاحية مثل علنية جلسات مجلس شورى القوانين، ومنحه حق سؤال الوزراء، وتعديل قانون مجالس المديريات بزيادة أعضائها ومنحها مزيد من السلطات، لكن أمل محمد فريد سرعان ما خاب ففي 25 مارس 1909 أعاد مجلس الوزراء العمل بقانون المطبوعات الصادر سنة 1881، أثناء الثورة العرابية، وكان العمل بهذا القانون قد توقف منذ عام 1894، وكان هذا القانون يمنح لوزارة الداخلية حق إنذار الصحف وتعطيلها مؤقتًا أو نهائيًا دون حكم قضائي، وعقب ذلك بدأت ملاحقة الصحف وإنذارها، وتقديم الصحفيين والكتاب للمحاكم على مقالاتهم، وحبس بعضهم بسبب هذه المقالات، ومنهم عبد العزيز جاويش ومحمد فريد نفسه، كما وضعت الحكومة قانونًا جديدًا يقضي بإحالة تهم الصحافة إلى محكمة الجنايات بدلًا من الجنح، كما عدلت نصوص قانون العقوبات لمعاقبة من ينشر المرافعات في القضايا الجنائية، واعتبرت مديري الصحف مسئولين بالاشتراك الجنائي عما ينشر في صحفهم، وأكملت الحكومة تقييدها للحريات بوضع لائحة للمسارح تجرم تمثيل الروايات التي تدعو للحرية والاستقلال.
 وقد تصدى دعاة الحرية لتلك التشريعات والقوانين بالقول والفعل، وكان من المدافعين عن الحرية بقلمه شاعر القطرين خليل مطران الذي كتب في المجلة المصرية:
 "في مصر وفي الإستانة العلية خطتان رسمتا للتضييق على الصحافة يراد بهما أن تصدر الجريدة كما يخرج الكلب العقور من بيت صاحبه وفي فكه كمامة، على أنه ليس في العزائم أدل من هذه العزيمة على رسوخ الداء الشرقي القديم في قلوب أولياء الأمور منا، داء الخوف من النقد. وبديهي أن هذا الخوف يكون عادة نتيجة حالتين: الكبرياء وهي أخصهما، وسؤ السيرة أو الطمع في الراتب وهو أعمهما".
 وكتب مطران كذلك أبياتا من أروع ما كُتب في الدفاع عن حرية الرأي والتعبير، قال فيها:
شردوا أخيارها برًا وبحرا         واقتلوا أحرارها حرًا فحرا
إنما الصالح يبقى صالحـــًـــا  آخــــر الدهر ويبقى الشر شرا
كسروا الأقلام هل تكسيرها     يمنع الأيدي أن تنقش صخرا
قطعوا الأيدي هل تقطيعها       يمنع الأعين أن تنظر شـذرا
أطفئوا الأعين هل إطفاؤها      يمنع الأنفاس أن تصعد زفرا
أخمدوا الأنفاس هذا جهدكم      وبه منجــــــــاتنا منكم فشكرا

الدستور يوليو 2006

الأحد، 21 مايو 2017

دنشواي في ضمير المصريين... من أرشيف مقالاتي القديمة

 مخربشات
دنشواي في ضمير المصريين
عماد أبو غازي
 من طاهر حقي في روايته عذراء دنشواي إلى أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وصلاح عبد الصبور وصلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي في قصائدهم المتعددة عن الحادثة إلى عبد الهادي الوشاحي في تمثاله للفلاح الشهيد، ظلت دنشواي حاضرة في وجدان مبدعي مصر وفنانيها، شعرًا ونثرًا، نحتًا وتصويرًا.

الفلاح الشهيد
لعبد الهادي الوشاحي

 جاءت البادرة الأولى للتعبير عن المأساة بعد أيام قليلة من تنفيذ الحكم في فلاحي دنشواي عندما بدأ طاهر حقي في نشر رواية "عذراء دنشواي"، والتي تعد أول تجلي أدبي للحادثة، وقد نشرها مسلسلة في جريدة "المنبر" لصاحبها أحمد حافظ عوض، ويذكر المؤرخ الكبير محمد صبري السوربوني في كتابه "الشوقيات المجهولة" أن طاهر حقي أخبره أن منسفيلد حكمدار العاصمة الإنجليزي قد استدعاه أكثر من مرة أثناء نشر الرواية مطالبا إياه بتخفيف حدة كتابته، مهددًا إياه بسوء العواقب.
 وقد أهدى حقي الرواية إلى شوقي، لكنه رفض قبول "الهدية"، وأرسل إلى طاهر حقي وأحمد حافظ عوض قائلًا:
"صديقي العزيزين
 اطلعت في المنبر المتصل إن شاء الله تعالى بالجوزاء على فاتحة رواية باسم (عذراء دنشواي) رأى حضرة واضعها الفاضل تلطفًا منه وإحسانًا أن يهديها إلى. ورأيت أن أعتذر على أعواد المنبر من قبول الهدية وأن انفض يدي من عذراء نشأت بين حَمام كم جلب حِمام، وبين أجران كم جرت أحزان. ولو سألني حضرة المؤلف رأيي قبل أن ينشر ما نشر، كما هو مألوف في مثل هذا المقام، لدللته على من هو أحق مني بحسن ظنه كعشماوي، أو نابغة المحامين الهلباوي، أو غيرهما من جنود الحادثة وشهود الكارثة والسلام.
المخلص شوقي"

شوقي
  والسخرية الممزوجة بالسخط على الجلادين واضحة في كلمات شوقي كما في قصائده، فقد كتب شوقي في الذكرى الأولى لدنشواي قصيدة قال فيها:
يا دنشواي على رباك سلام           ذهبت بأنس ربوعك الأيام
شهداء حكمك في البلاد تفرقوا      هيهات للشمل الشتيت نظام
مرت عليهم في اللحود أهلة          ومضى عليهم في القيود العام
كيف الأرامل فيك بعد رجالها       وبأي حال أصبح الأيتام
عشرون بيتا أقفرت وانتابها         بعد البشاشة وحشة وظلام
يا ليت شعري في البروج حمائم    أم في البروج منية وحِمام
نيرون لو أدركت عهد كرومر      لعرفت كيف تنفذ الأحكام
 نوحي حمائم دنشواي وروعي     شعبا بوادي النيل ليس ينام
إن نامت الأحياء حالت بينه         سحرا وبين فراشه الأحلام
متوجع يتمثل اليوم الذي              ضجت لشدة هوله الأقدام
 وفي 31 يناير 1908 نشرت الجريدة الأسبوعية:
"أرسل إلينا وطني حزين سكن أوروبا دور غناء وكتابًا يقول فيه: لنجعل شعارنا المشنقة، ولنقدس المشنقة فهي سبب حياة أمة. أرسلت إليك هذا الدور وأرجو أن يرغم المغني في الأفراح على أن يفتتح الغناء بهذا الدور..."، أما الدور فيقول:
يا حمامة دنشواي
نوحي للسير جراي
تحت الظلام كي لا ينام
***
الشنق حامي
والضرب داير
فين المحامي
ما فيش كلام
 ويرى السوربوني أن هذا الدور كتبه شوقي ويذكر أن هذا الدور كان يغنى في السهرات الخاصة، ومن المطربين الذين غنوه عبد الحي حلمي ومحمد سليمان.
 ومما كتبه شوقي عن دنشواي أيضا، قصيدته الموجهة إلى الاحتفال الذي نظمه أصدقاء أحمد فتحي زغلول عندما تمت مكافأته على تعاونه مع الاحتلال بالباشوية وبتعينه وكيلا للحقانية بمرتب 125 جنيهًا شهريًا، وقال فيها:
إذا مـا جمعـتم أمـركـم وهممتمـو      بـتقـديـم شـيء للـوكيل ثمـين
خذوا حـبل مشنوق بغير جريرة       وسروال مجلود وقيد سجين
ولا تعرضوا شعري عليه فحسبه    مـن الشعـر حـكم خطه بيمين
ولا تقرأوه في شبرد بل اقرأوا      على ملأ من دنشواي حزين
 ورغم الجهود الفكرية لفتحي زغلول فقد ظل منبوذًا من المصريين وقد أعاد محمد السيد عيد إلى الأذهان صورته السلبية في مسلسل قاسم أمين.
 وفي وداع اللورد كرومر عند رحيله كتب شوقي:
دنشواي إلى جنابه الرحيم
يا لورد إن تك آثار مخلدة        فأنني أثر للعدل ملحوظ
لنشكرنك ما دام الخراب بنا     والصنع عند كرام الناس محفوظ
وكتب:
وداع الشبيبة المصرية للورد كرومر
يا راحلًا عنا وذكرك خالد    أبدًا ليحيي بيننا الآلاما
سر بالسلامة حاملا زفرتنا   واذكر مقامك بيننا الأعوام
واذكر حكاية دنشواي فإنها   كم خلفت بين الربوع يتامى
 ولم تلاحق الذكرى فتحي زغلول وكرومر فقط، بل ظلت جريمة الهلباوي تلاحقه فقد قاطعه الناس وتعاملوا معه باعتباره مجرم شنق أهالي دنشواي بلسانه، ورغم محاولاته لغسيل تاريخه الأسود إلا أنه فشل في ذلك، وبعد ثورة 19 وفي أول انتخابات برلمانية أجريت على أساس دستور 23، والتي خاضها الهلباوي، نشرت جريدة السياسة في ديسمبر 1923 خطبة الهلباوي الانتخابية لعضوية مجلس النواب والتي جاء فيها: "يعيدون مرافعتي ولا يذكرون أن المرحوم فتحي باشا زغلول شقيق سعد باشا هو الذي قبلت ذمته أن يحكم مع الآخرين بتلك العقوبات لأن الحكم كان بالإجماع، وقبل قلمه أن يسطر تلك الحيثيات لأنه هو وحده الذي سطر حيثيات الحكم التي تنفث لهبًا ونارًا"
 لقد أصبح الهلباوي رغم كل محاولاته للتكفير عن جريمته ـ كما قال صلاح عيسى ـ مجرد محطة أتوبيس في شارع المنيل حيث كان يسكن وحتى المحطة ألغيت الآن.
أما بطرس باشا غالي فكان أحد الأسباب التي ذكرها إبراهيم الورداني لارتكابه جريمة الاغتيال رئاسته لمحكمة دنشواي.
إذا كنا نسينا الإنجليز فإن المصريون الذين باعوا أهلهم لم ولن ينسى جريمتهم أحد، إن الدرس الذي ينبغي أن يتعلمه الطغاة أن الشعوب لا تغفر أبدًا لمن أهانوها أو خانوها.

الدستور 28 يونيو 2006

دنشواي... جلادون وأبطال... من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات
دنشواي... جلادون وأبطال
عماد أبو غازي

 أعود لوصل ما انقطع من الحديث عن دنشواي، تشكلت محكمة مخصوصة برئاسة بطرس باشا غالي ناظر الحقانية (وزير العدل) وعضوية مستر هيتر نائب المستشار القضائي الإنجليزي في مصر ومستر بوند وكيل محكمة الاستئناف الأهلية والقائم مقام لادلو القائم بأعمال المحاماة والقضاء بجيش الاحتلال، وأحمد فتحي زغلول بك رئيس محكمة مصر الابتدائية، وتولى السكرتارية عثمان بك مرتضى رئيس أقلام الحقانية.

بطرس باشا غالي
 وقد تولى مسئولية الادعاء العام إبراهيم الهلباوي وكان واحدًا من أكبر المحامين وأشهرهم، ووفقا لجريدة "المنبر": "عرضت وظيفة المدعي العمومي في قضية دنشواي على الأستاذ أحمد عبد اللطيف المحامي قبل أن تعرض على الهلباوي فقبلها، ولكن على شريطة أن يكون حرًا في المرافعة، فيطلب من العقاب ما يراه موافقًا للجرم، فقيل له سننقدك مائتين ذهبًا ويجب أن تقول ما نريد أن يقال فأبى. أما الهلباوي فقبلها كما طلبوا وأعطى خمسمائة من الجنيهات بواقع مائة عن كل ضابط من الخمسة الإنجليز الذين قام مطالبًا بعقاب من اعتدى عليهم".

إبراهيم الهلباوي
 طلب الهلباوي الإعدام لسبعة من الأهالي وبأشد عقوبة بعد الإعدام لباقي المتهمين، مستندًا إلى أن مثل هذه التهم يعاقب عليها بالقتل في القوانين الإنجليزية والفرنسية وفي الشريعة الإسلامية.
 أما فريق الدفاع عن المتهمين فتكون من أحمد لطفي السيد بك ومحمد بك يوسف وإسماعيل بك عاصم، وقد ركز أحمد لطفي السيد في دفاعه على هدم الأسس القانونية لمرافعة الادعاء ونفي تهمة سبق الإصرار عن المتهمين، لكن القضية لم تكن قانونية، بل كان الأمر قرارًا سياسيًا بتوقيع عقوبات قاسية لإرهاب المصريين وإشعارهم بسطوة الوجود البريطاني.
 وبعد ثلاثة أيام من المحاكمات صدرت الأحكام يوم 27 يونيو بإعدام أربعة من أهالي القرية شنقًا، وبالأشغال الشاقة على تسعة وبالحبس مع الشغل على أربعة آخرين، وحكمت بجلد تسعة، على أن تنفذ عقوبات الإعدام والجلد بالقرية، وكلفت المحكمة مدير المنوفية (يعنى المحافظ) بتنفيذ الأحكام فورًا، وتم تنفيذ الأحكام يوم 28 يونيو 1906، واستغرق التنفيذ ساعة ونصف، حيث أُعدم أول الشهداء في الثانية ظهرًا، وبقى معلقًا في حبل المشنقة إلى أن نفذ حكم الجلد في اثنين من الأهالي، ثم شنق الثاني واستمر تنفيذ العقوبات بنفس الأسلوب إلى الساعة الثالثة والنصف.


 وقد وصف قاسم أمين في كلمات معبرة شعور الناس يوم تنفيذ الحكم، فقال: "رأيت عند كل شخص تقابلت معه قلبًا مجروحًا وزورًا مخنوقًا، ودهشة عصبية بادية في الأيدي وفي الأصوات، كان الحزن على جميع الوجوه، حزن ساكن مستسلم للقوة، مختلط بشيء من الدهشة والذهول، ترى الناس يتكلمون بصوت خافت، وعبارات متقطعة، وهيئة بائسة، منظرهم يشبه منظر قوم مجتمعين في دار ميت، كأنما كانت أرواح المشنوقين تطوف في كل مكان من المدينة، ولكن هذا الاتحاد في الشعور بقى مكتوما في النفوس لم يجد سبيلا يخرج منه فلم يبرز بروزا واضحا حتى يراه كل إنسان".

قاسم أمين
 أما جريدة مصطفى كامل "اللواء" فقد وصف مراسلها الصحفي الشاب أحمد حلمي المشهد قائلًا: "كاد دمي يجمد في عروقي بعد تلك المناظر الفظيعة، فلم استطع الوقوف بعد الذي شاهدته، فقفلت راجعًا وركبت عربتي، وبينما كان السائق يلهب خيولها بسوطه كنت أسمع صياح ذلك الرجل يلهب الجلاد جسمه بسوطه، هذا ورجائي من القراء أن يقبلوا معذرتي في عدم وصف ما في البلدة من مآتم عامة، وكآبة مادة رواقها على كل بيت، وحزن باسط ذراعيه حول الأهالي، حتى أن أجران غلالهم كان يدوسها الذين حضروا لمشاهدة هذه المجزرة البشرية، وتأكل فيها الأنعام والدواب بلا معارض ولا ممانع، كأن لا أصحاب لها، ومعذرتي واضحة، لأني لم أتمالك نفسي وشعوري أمام البلاء الواقع الذي ليس له من دافع إلا بهذا المقدار من الوصف والإيضاح".

أحمد حلمي
وبالمناسبة أحمد حلمي هو جد المبدع المصري العظيم صلاح ﭽاهين وهو من سمي على اسمه شارع أحمد حلمي بحي شبرا.
 لقد ظن الاحتلال وأعوانه في مصر أن ما فعلوه في دنشواي سيرهب المصريين ويخمد الروح الوطنية الوليدة، لكن ما حدث كان خلاف ذلك، فانقلب السحر على الساحر كما يقولون، وكان الفضل للدور الذي قام به الزعيم مصطفى كامل، كان الرجل في أوروبا للاستشفاء عندما صدر الحكم، فترك سريره وانطلق ليسمع العالم صوت مصر وليفضح جرائم الاحتلال البريطاني وأعوانه، فكتب في جريدة الفيجارو الفرنسية مقاله الشهير "إلى الأمة الإنجليزية والعالم المتمدن"، متوجهًا إلى الرأي العام العالمي وإلى ضمائر الأحرار، مستنهضًا التضامن الدولي مع القضية المصرية، وأعقب المقال بزيارة إلى لندن ألقى فيها الخطب ونشر المقالات، وأثمرت حملة مصطفى كامل، ففضحت ادعاءات الاحتلال بأنه المدافع عن الفلاح المصري، ونجحت في دفع الاحتلال إلى تغيير سياسته في مصر، وفي تعيين أول وزير فلاح هو سعد زغلول، وفي الإطاحة باللورد كرومر وإرغامه على الاستقالة بعد أقل من عام، وكانت الحادثة كذلك دافعًا إلى تحويل حركة مصطفى كامل إلى حزب منظم "الحزب الوطني" أواخر عام 1907، وإلى تحريك الدعوة لتأسيس الجامعة المصرية التي ظهرت للوجود في ديسمبر 1908.
مصر بعد دنشواي غير مصر قبلها، فقد عرف قادة الحركة الوطنية المصرية كيف يحولون المأساة إلى نقطة انطلاق.

الدستور 21 يونيو 2006

أحمد عبد الله... رمز جيلي... من أرشيف مقالاتي القديمة

 مخربشات
أحمد عبد الله... رمز جيلي
عماد أبو غازي
 مساء الثلاثاء الماضي السادس من يونيو قرب العاشرة مساءً بدأ رنين التليفونات بين مجموعة من الأصدقاء تحمل سؤالًا واحدًا، هل رحل أحمد عبد الله حقًا؟
 نعم رحل أحمد عبد الله السياسي والكاتب والمفكر، رحل القائد البارز للحركة الطلابية المصرية في مطلع السبعينيات، الرئيس المنتخب للجنة الوطنية للطلبة التي قادت الانتفاضة الطلابية في يناير 1972، إذن رحل رمز جيلنا، الجيل الذي اختلف أبناؤه كثيرًا وتفرقت بهم الطرق والمشارب، لكن أحمد عبد الله ظل نقطة الاتفاق بيننا.


 لقد عرفت أحمد عبد الله قبل أن أراه، ففي عام 1972 عندما انطلقت انتفاضة يناير كنت طالبًا في الثانوية، توجهت إلي وسط البلد لأشاهد ما يحدث، وكان اسم أحمد عبد الله كزعيم للطلبة يتردد بيننا نحن الذين لم نلتحق بالجامعة بعد محاطًا بهالات من البطولة، في العام التالي عندما التحقت بالجامعة كنت أنتظر على نار أن تنطلق المظاهرات لأشارك فيها، بعد أسابيع من بدء الدراسة ظهرت مجلات الحائط في الجامعة وبدأت حلقات النقاش السياسي حولها وتشكلت لجان الدفاع عن الديمقراطية، وبدأت المظاهرات داخل الجامعة والاعتصام في القاعة الرئيسية، ثم انطلقت المظاهرات يوم 3 يناير 73 إلى الشوارع، شاهدت أحمد عبد الله لأول مرة في أواخر عام 1972، رأيته يخطب في الطلاب ويقودهم يسيطر بإشارة على الاعتصام الذي يشارك فيه الآلاف، كان بالنسبة لنا نحن الوافدين الجدد على الجامعة بطلًا أسطوريًا، لم أكن أتصور أن أحدثه مباشرة، لم أعرفه عن قرب إلا بعد أن عاد من لندن وتوطدت العلاقة بيننا، أصبح باحثًا بارزًا ومتميزًا له عشرات الدراسات والأبحاث في العلوم السياسية والتاريخ وقضايا الشباب وعمالة الأطفال، لكنه ظل بالنسبة لي زعيم الطلبة، فأنا أنتمي إلى جيل تفتح وعيه السياسي مع هزيمة نظام عبد الناصر في يونيو 1967، كانت صدمة الهزيمة كافية لكي يفيق من كان منا غارقًا في الأوهام التي روج لها النظام الاستبدادي الذي تأسس عقب انقلاب يوليو 1952، وليدركوا أنه لا يمكن أن نستبدل "العدالة" الاجتماعية ولا الحلم الوطني بالديمقراطية، فالاستبداد لا يمكن أن يؤدي إلا إلى الفساد والخراب والهزيمة وضياع الوطن والمواطن.
 وعن هذا الجيل كتب أحمد عبد الله في مقدمة كتابه "الوطنية المصرية" الذي نشرته دار "ميرت للنشر والمعلومات"، سنة 2000، قال وهو يقدم نفسه وكتابه للقارئ: " ... جيل 1967، الجيل الشاب الذي داهمته هزيمة حرب الأيام الستة والتي دفع هذا الجيل ثمنها مباشرة بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن الأمة كلها، دفع ثمنها قتلى وجرحى وأسرى في ميدان القتال، وواصل دفع ثمنها سنوات طوال في التجنيد الإجباري، واستمر يدفع الثمن في صورة إحساس بالألم الحاد والمزمن من الجرح النازف لكرامة أمة مهزومة، خصوصًا أن الهزيمة جاءت نقيضًا مزلزلًا لشعارات قومية ووطنية عالية الضجيج حول الحرية والتحرير والعزة والكرامة، وما إلى ذلك من مصطلحات بددتها الحقيقة العارية للهزيمة نفسها، فقد أثبتت هذه الهزيمة أن تلك المصطلحات كانت كلها كلمات غير مكلفة بل مجانية تفوه بها دون تكلف مسئولون لم يعرفوا معنى المسئولية، فقبلها بسنوات كانت فكرة المسئولية نفسها قد ألغيت بإلغاء الحريات العامة والمؤسسات الرقابية المنتخبة في إطار ديمقراطي، ... نشأ هذا الجيل إذًا على الشعارات الوطنية فسرت في عروقه لكنها لم تتبخر مثلما تبخرت على ألسنة مطليقها حين تعرضوا لاختبار تجسيد الشعار، ففشلوا فيه بدرجة كبيرة كبر مساحة أرض سيناء التي ضاعت في سويعات، وما أن واتت هذا الجيل الفرصة لاندمال الجرح واسترداد الكرامة والأرض حتى اقتنصها وأبلى في حر ب أكتوبر 1973 بلاء حسنًا استدرك الأمر، لكن مرة أخرى اقتنص الطغاة أمجاد الحرب لأنفسهم فحكموا واستبدوا باسمها دون عرفان للمستحقين.
 لكن درسًا مهمًا خرج به هذا الجيل من هذه المحنة هو أن الوطنية ليست شعارات بل ممارسات وأن الوطنية بلا ديمقراطية لا تؤدي فقط للهزائم بقيادة مسئولين ممنوع أن يسألهم أحد، وإنما تؤدي لما هو أسوأ. تؤدي لتحول الوطن نفسه إلى خشبة مسرح يعرض عليها المشهد الهزلي لأمة مربوطة في سلاسل العبيد، وتلهب ظهرها سياط الحاكم الوطني البطل قائد المسيرة الذي يطلب من مواطنيه ـ أقصد عبيده ـ رفع أصواتهم المتغنية بنشيد "يحيا الوطن" أو بالأحرى "يحيا صاحب الوطن"، أي مالك الأرض والمال والناس ... باختصار مالك الملك من دون الله!
 ومثلما تحدى هذا الجيل الأعداء الغاصبين في ميدان القتال تحدى مالكي الملك من الحكام المستبدين في ميدان السياسة، فطالب بالديمقراطية بل فرض حريته في التعبير والحركة فرضا في المظاهرات الطلابية والعمالية في فبراير 1968 ثم نوفمبر 1968 ثم يناير 1972 ثم طوال العام الجامعي 72/1973 الذي مهدت انتفاضاته لحرب أكتوبر كقرار كان لابد من اتخاذه في ظل هذه الضغوط الهائلة لشباب الأمة.
 لقد كانت تجربة هذا الجيل مفعمة بالروح الوطنية، وبالروح القتالية من أجل تحرير التراب الوطني، وبالرابطة بين الوطنية المصرية والقومية العربية (خصوصا قضية فلسطين)، وبالتعاطف مع كل مناضلي التحرر الوطني في أرجاء العالم كافة، وحين تبنى نشطاء هذا الجيل أفكارًا وأيديولوجيات سياسية واجتماعية محددة بقيت الوطنية جوهر أفكارهم وانتماءاتهم".
 كانت هذه كلمات أحمد عبد الله وشهادته عن جيلنا ولجيلنا، وإذا كان الكثيرون منا قد رحلوا خلال السنوات الماضية، حتى اعتدنا الغياب بالموت، لكن رحيل أحمد عبد الله شيء آخر فقد كان رمز جيلنا وضميره.

الدستور 14 يونيو 2006

السبت، 20 مايو 2017

دنشواي بعد ميت سنة... من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات
 دنشواي بعد ميت سنة...
عماد أبو غازي

 تحتفل مصر بذكرى مئوية حادثة دنشواي، فغدًا تنظم دار الكتب والوثائق القومية بالتعاون مع لجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة ندوة علمية حول هذه المناسبة، ويوم 13 يونيو الذي يوافق ذكرى الحادث تفتتح الجمعية المصرية للدراسات التاريخية ندوتها التي تتناول حادثة دنشواي بأبعادها التاريخية والسياسية وانعكاساتها في الفن والأدب، ففي مثل هذا الشهر منذ مئة عام وقعت حادثة دنشواي التي قال عنها المؤرخ عبد الرحمن الرافعي في كتابه "مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية": "لا مراء في أن حادثة دنشواي هي من حوادث مصر التاريخية التي لا تُنسى على مر السنين، لما كان لها من الأثر البليغ في تطور الحركة الوطنية، وفي مركز الاحتلال الإنجليزي، فهي نهاية عهد كان الاحتلال يتمتع فيه بالاستقرار والطمـأنينة، وبداية مرحلة جديدة من مراحل الجهاد القومي عم فيها الشعور الوطني بعد أن كان الظن أن سواد الأمة راض عن الاحتلال".
 لقد كان الرافعي مؤرخ الحركة الوطنية محقًا فيما قال، فالحادث بالفعل من الأيام التي لا تُنسى في تاريخنًا، لقد حولت رعونة سلطات الاحتلال البريطاني وجبروتها ومبالغتها في استخدام القوة الغاشمة، وخنوع ذيولها من المصريين، حادث صيد حمام بسيط إلى قضية كبرى فجرت طاقات الحركة الوطنية المصرية وأطلقت الغضب الشعبي في مصر من عقاله وأيقظته من ثباته، وهزت الرأي العام العالمي وأعادت القضية المصرية بقوة إلى الساحة الدولية بعد أن انزوت بالوفاق الودي بين بريطانيا وفرنسا سنة 1904، وبلغت أهمية الحادثة درجة دفعت محافظة المنوفية إلى اتخاذ ذكراها عيدا قوميا وبرج الحمام شعارا لها.
 وتبدأ الحادثة كما يرويها عبد الرحمن الرافعي ـ الذي كان وقتها شابًا يدرس في السنة الثانية بمدرسة الحقوق ـ عندما غادرت كتيبة من جيش الاحتلال البريطاني القاهرة يوم 11 يونيو 1906 متوجهة إلى الإسكندرية، وتوقفت بمنوف يوم 13 يونيو للراحة، فأبلغ خمسة من ضباط الكتيبة مأمور المركز رغبتهم في الصيد بقرية دنشواي القريبة، والمشهورة بتربية الحمام، ويذكر مؤرخنا عبد الرحمن الرافعي كعادته التفاصيل الصغيرة للحادث، فيحدد لنا أسماء الضباط الإنجليز الخمسة وهم الميجور بين كوفن قومندان الكتيبة، والكابتن بول، والملازمان بورتر وسميث ويك، والطبيب البيطري بوستك، ويقول الرافعي أن المأمور طلب من عبد المجيد بك سلطان أحد أعيان بلدة الواط أن يعد لهم راكيب تتولى نقلهم لبلدة دنشواي، ففعل، وذهب الضباط الخمسة بصحبة أومباشي من بوليس نقطة الشهداء وترجمان مصري، وتوجه الأومباشي إلى العمدة ليبلغه خبر قدوم الضباط ليتخذ الاحتياطات اللازمة التي تضمن عدم احتكاكهم بالأهالي، لكن العمدة كان غائبًا، ولم ينتظر الضباط عودته، فهم يتصورون أن البلد بلدهم يفعلون فيها ما يشاءوا، فانقسموا فريقين فريق وقف على السكة الزراعية لصيد الحمام من على الأشجار وهؤلاء لم يصبهم أحد بشيء، والفريق الآخر دخل إلى القرية وتوغل في وسط أجران القمح، ومن هنا بدأت رحلة الصيد العادية التي تكررت مئات المرات من قبل تتحول إلى حادثة هزت مصر وامتدت آثارها إلى العالم.
 كيف حدث ذلك؟
 صوب أحد الضباط بندقيته نحو حمامتين واقفتين على جرن قمح يملكه محمد عبد النبي مؤذن القرية، فصاح به شحاته عبد النبي أخو صاحب الجرن هو وشيخ يبلغ من العمر 75 سنة اسمه حسن علي محفوظ (كان أول من نفذ فيه حكم الإعدام بعد المحاكمة) أن يتوقف عن إطلاق النار حتى لا يشتعل الجرن، طبعا الخواجة لم يفهم كلامهما، واستمر في إطلاق النار، فتسببت رصاصة طائشة في إشعال النار في الجرن، وأصابت رصاصة أخرى الست أم محمد زوجة صاحب الجرن بجراح وتصور الناس أنها ماتت، فهجم شحاته على الضابط محاولًا انتزاع بندقيته، وخرج أهالي القرية يصيحون "الخواجة قتل المره وحرق الجرن"، وأحاطوا بالضابط، وفي نفس الوقت جاء بقية الضباط الإنجليز في محاولة لتخليص زميلهم، ووصل شيخ الغفر مع الغفرا لتفريق الجمع، فتصور الضباط الإنجليز إنه قادم لضربهم فأطلقوا عليه الرصاص فسقط جريحًا بإصابة في فخده، فجرى العيال في القرية يصيحون: "شيخ الغفر اتقتل"، وأخذ الأهالي يقذفون الضباط بالطوب، فهرب الإنجليز بعد أن أصيب قومندان الكتيبة بكسر في ذراعه وجرح الملازمان سميث ويك وبورتر ووقعوا في أسر الغفر، وتم تسليمهم لوحدتهم.
 أما الكابتن بول الذي أصيب في رأسه وزميله الطبيب البيطري فقد أطلقا ساقيهما للريح خوفًا من غضب الأهالي، وجريا 8 كيلو في عز حر بؤنة، فسقط الأول من الإعياء عند مدخل قرية سرسنا، وتركه الطبيب الندل واستمر في الجري حتى وصل للمعسكر، فلاح مصري اسمه سيد أحمد سعيد شاهد الكابتن على الأرض فطسان من الحر، فتقدم يسقيه الماء، في الوقت الذي وصلت فيه قوة من الكتيبة الإنجليزية، فطعنوا سيد أحمد بسناكي البنادق وانهالوا على رأسه ضربًا بكعوبها فسقط قتيلًا وسماه الناس شهيد سرسنا، ومات الكابتن بول بضربة الشمس، كما أكد ذلك تقرير الطبيب الشرعي البريطاني.
 عندما وصل الخبر إلى القاهرة ثارت ثائرة اللورد كرومر، وبعد أسبوع واحد من الحادثة أصدر بطرس باشا غالي وزير الحقانية قرارًا بتشكيل محكمة مخصوصة استنادًا إلى أمر عالي كان قد صدر سنة 1895، بتشكيل محاكم مخصوصة لمحاكمة المصريين الذين يتهمون بالتعدي على ضباط وجنود جيش الاحتلال.
وللحديث بقية.

 الدستور يونيو 2006

لاظ أوغلي بك وعصابة التلات مشايخ ... من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات

لاظ أوغلي بك وعصابة التلات مشايخ ...

عماد أبو غازي

 مرة أخرى مع كتاب "أسماء ومسميات من مصر القاهرة" لمؤلفه محمد كمال السيد محمد المحامي، ومع مصادره الأصلية علي باشا مبارك في كتابه "الخطط التوفيقية الجديدة" وأمين سامي باشا في كتابه "تقويم النيل"، لنستكمل حكاية محمد بك لاظ أوغلي كتخدا الباشا وتأسيس نظامه الأمني في عصر محمد علي باشا، ولنتعرف على حكاية مساعده الأول في هذا النظام الأمني الشيخ يوسف، الذي كانت تتجمع لديه التقارير التي يرفعها البصاصون يوميا وتحملها مدرسة محمد علي أثناء صعودها للقلعة إلى مكتب الشيخ يوسف، ليعد منها الأخير تقريرا مجملا بحال مصر المحروسة يعرضه على البك لاظ أوغلي الكتخدا.
 الشيخ يوسف هذا هو صاحب الضريح الصغير الذي يحمل اسمه والقائم إلى الآن بين ثلاث عمارات في شارع قصر العيني، في مواجهة مدخل شارع مجلس الشعب من الجهة الغربية، وتحت قبة الضريح الصغير مقبرتان، الأولى لصاحب الضريح الشيخ يوسف والثانية لرئيسه وأستاذه لاظ أوغلي بك، ولكن من هو الشيخ يوسف هذا؟
 روى علي باشا مبارك قصة طريفة في خططه عن عصابة مكونة من ثلاثة من اللصوص قاطعي الطريق، أحدهم كان يجلس بدرب سعادة بقرب باب الخلق يرتدي خرقة الدراويش، وكان للناس اعتقاد كبير فيه وفي كراماته، يأتون إليه، يقبلون يده ويتبركون به. وكان يجلس هناك على الخليج المصري ـ شارع بورسعيد حالياً ـ أمام حائط لمنزل قديم مهجور إلى أن يأتي الليل، فإذا مر عليه ليلًا شخص بمفرده، صاح قائلًا: يا واحد ... فيخرج أنصاره من خلف الحائط ويحيطون بالمار، ويدخلونه إلى المنزل قسرًا، فيسلبونه ما معه، ثم يقتلونه، ويلقون بجثته في مكان بعيد.
 استمرت جرائم هذه العصابة وتعددت ضحاياها ولما ازداد قلق الناس مما يحدث، بدأت الشرطة تعد العدة لضبط العصابة التي ترتكب هذه الجرائم، ونجح "كمين أمني" في ضبط هذا الدرويش متلبسًا، في البداية رفض الرجل أن يعترف على شركائه في العصابة، لكن مع التعذيب المتواصل اعترف الدرويش على زميليه في العصابة، وبعد اعترافه أُعدم الرجل، ولا تذكر المصادر التاريخية حتى اسمه.
 لكن من هما الشريكان؟
 الشريك الأول الذي اعترف عليه الدرويش هو الشيخ صالح، وعندما علم الرجل بانكشاف أمره احتمى بعالمة يعرفها كانت مشهورة وقتها، ولم يذكر علي مبارك للأسف اسمها، فادعت الست العالمة أن الشيخ صالح مختل عقليًا! معتمدة على إصابته بالخرس من شدة الهلع، ووضعت في قدميه قيدًا حديديًا، ومن هنا صار اسمه الشيخ صالح أبو حديد، وبواسطة تلك العالمة وضمانها تركوا الرجل يعيش في حمايتها دون أن يطوله عقاب على جرائمه!
 لم تكتف العالمة بحصولها للشيخ صالح على حقه في الحياة، بل قررت أن تستفيد منه، فأشاعت أنه شخص مكشوف عنه الحجاب، يستطيع أن ينبئ بالغيب عن طريق إشارات وحركات رأسه ويديه أو بأصوات يصدرها لا يفهمها إلا مجاوروه من حاشية تلك العالمة، وشاع خبره بين الناس فتوافدوا على المنزل الذي يقيم فيه الشيخ صالح أبو حديد تحت حماية الست العالمة، وقصده النساء والرجال والأمراء والأعيان والعامة والمسئولون، كل يبحث عنده عن حل لمشكلته، مقابل الهدايا والنذور التي تختلف باختلاف مقدار صاحبها وقدره وحجم مشكلته التي يبحث لها عن حل.
 كان الشيخ يستقبل زواره وهو ملقى على الفراش وفي رجليه قيود الحديد، وعند رأسه إمرأة بيدها مروحة تروح بها عليه، ويصدر الشيخ من الأصوات والإشارات غير المفهومة ما تقوم المرأة بتفسيره لأصحاب الطلبات بعبارات مبهمة مثل: "الغائب يحضر"، "القضية تكسب"، "البنت تتجوز"، "الأمر واقف"، وهكذا، وكل واحد يفسر الإشارة حسب هواه.
 وعاش الشيخ صالح أبو حديد على هذا الحال سنوات، وبعد أن مات بسنين ظلت سيرته كولي من أولياء الله الصالحين متداولة بين الناس، حتى أن الخديوي إسماعيل في سنة 1871 شيد مسجدًا على ضريحه بحي الحنفي بالقرب من المدخل الشرقي لشارع مجلس الشعب، وأوقف عليه أوقافًا ضخمة، وقد وصف علي مبارك في حسرة المسجد بأنه "جامع عظيم لم يبن لغيره من الأفاضل ذوي العلوم والمعارف الذين انتفع الكثيرون بعلومهم ومعارفهم".
 أما ثالث الثلاثة المشتركين في العصابة فكان الشيخ يوسف الذي كان يلوذ بلاظ أوغلي بك، فوقع عليه، فعفا عنه، واستمرت العلاقة بينهما قائمة إلى ما بعد الوفاة حيث دفنا جنبًا إلى جنب في الضريح المعروف باسم ضريح الشيخ يوسف.
 هذه هي حكاية الرجل الذي كان نقطة الوصل بين البك الكتخدا وجيش البصاصين الذي أنشأه، وللأسف لم نعرف من المصادر التاريخية هل كان الشيخ يوسف يباشر مهامه الأمنية عندما شارك في عصابة التلات مشايخ وعفى عنه لاظ أوغلي لعدم قدرته على الاستغناء عن خدماته، أم أن لاظ أوغلي أكتشف مواهب صديقه بعد افتضاح أمر العصابة فقرر أن يحميه ويستفيد بهذه المواهب في عمل "نافع"، نافع من وجهة نظر البك؟

 الدستور مايو 2006