الثلاثاء، 2 يوليو 2019

السياسات الثقافية في المنطقة العربية - من أرشيف مقالاتي القديمة


مخربشات

السياسات الثقافية في المنطقة العربية

عماد أبو غازي

 شهدت العاصمة اللبنانية بيروت في الأسبوع الماضي انعقاد المؤتمر الأول للسياسات الثقافية في المنطقة العربية، والذي نظمته مؤسسة المورد الثقافي بالتعاون مع مؤسسة دون والمجلس الثقافي البريطاني.


 وقد استمر المؤتمر على مدار يومين وشارك فيه حوالي سبعين من المهتمين بالشأن الثقافي في المنطقة العربية، يمثلون ثمانية أقطار عربية إلى جانب عدد من البلدان الأوروبية، وكان من بين المشاركين مسؤلين عن منظمات مجتمع مدني عديدة لها تجارب وخبرات متميزة في العمل الثقافي، كما كان من بينهم مسئولين في مؤسسات ثقافية حكومية، وخبراء في العمل الثقافي ومخططين ثقافيين وإعلاميين.


 ويأتي المؤتمر تتويجًا لجهود استمرت لعامين كاملين قامت بها مؤسسة المورد الثقافي بدعم من الاتحاد الأوروبي لدراسة السياسات الثقافية وتطويرها في ثمان من الدول العربية، هي مصر وتونس والجزائر والمغرب وفلسطين والأردن وسوريا ولبنان، وقد صدر ملخص الدراسة في كتاب كبير وينتظر أن تنشر الدراسات الكاملة قبل نهاية هذا العام.
 وتعتبر دراسة حالة هذه الدول الثمانية مرحلة أولى سوف تتلوها مرحلة ثانية تضاف فيها دول أخرى للدراسة.


 وقد ناقش المؤتمر في أربع جلسات أربعة قضايا، قدمتها ورقة إطار الجلسات؛ اتخذت الجلسة الأولى منحاً نظريًا حيث ناقش المتحدثون قضية السياسات الثقافية ووضع الثقافة في المجتمع، في محاولة لتلمس كيف يمكن للسياسات الثقافية أن تسهم في تحسين وعي المجتمع بقيمة الثقافة.
 وناقشت الجلسة الثانية موضوع التحديات التي تواجه الثقافة على الصعيدين القومي والدولي، والشروط القانونية اللازمة لوضع السياسات الثقافية، وكان الهدف من هذه الجلسة محاولة الإجابة على بعض الأسئلة، مثل: كيف تتأثر السياسات الثقافية بالتطورات على المستوى المحلي والدولي؟ وما هي النقاشات السياسية التي تحدد اتجاه السياسات الثقافية وأجندتها؟ وما الفرق بين السياسات الثقافية وتشريعات العمل الثقافي؟ وما مدى تأثير التشريعات على السياسات الثقافية، خاصة ما يتعلق منها بحرية التعبير وتكوين الجمعيات؟ إلى غير ذلك من أسئلة العمل الثقافي.
 أما الجلسة الثالثة فكانت مخصصة للقضايا المتعلقة باقتصاديات العمل الثقافي، مثل تمويل السياسات الثقافية، وتنمية الموارد المالية، والاقتصاد الثقافي، وهي قضية مهمة سواء للعمل الأهلي أو الرسمي، وقد كان المستهدف من هذه الجلسة مناقشة خبرات فعلية في مجال اقتصاديات الثقافة للاستفادة منها.


 وتناولت الجلسة الرابعة أطر التعاون الثقافي على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، من خلال مداخلات لفاعلين في الحقل الثقافي من مجالي العمل الأهلي والعمل الحكومي ومن مؤسسات دولية كذلك، وقد كانت الورقة الأساسية إطارًا نظريًا مهمًا قدمه الأكاديمي السوري الدكتور حسان عباس.
 وخصصت الجلسة الأخيرة لنقاش مفتوح حول ما دار في المؤتمر وما تضمنه الكتاب الذي يحوي التقرير الموجز عن السياسات الثقافية في الدول الثمانية.
 وقد انتهى المؤتمر إلى مجموعة من التوصيات دارت حول ثلاثة محاور رئيسية إلى جانب بعض التوصيات العامة.
 وكان المحور الأول للتوصيات يدور حول الحوار وتبادل الآراء، وفي هذا الصدد كانت هناك توصيتان: الأولى ضرورة تنظيم ندوات وحلقات مناقشة حول عناصر محددة في السياسات الثقافية مع المسئولين الحكوميين في البلدان الثمانية التي شملتها المرحلة الأولى من مبادرة رصد السياسات الثقافية وتطويرها، أما التوصية الثانية فانصبت حول أهمية تبادل الخبرات مع دول البلقان وأفريقيا وتركيا والتي كان هناك ممثلون لها من بين المتحدثين في جلسات المؤتمر.


 ودار المحور الثاني من التوصيات حول الأبحاث المطلوبة والتي تتضمن مراجعة النص الكامل وتنقيحه قبل نهاية 2010، والبدء في المرحلة الثانية من المشروع البحثي والتي ينبغي أن تمتد لأربع دول جديدة على الأكثر مع إمكانية مراجعة نموذج العمل الذي تم صياغة التقرير على أساسه، ثم إطلاق مجموعات عمل تضم خبراء مستقلين وحكوميين في البلدان الثمانية موضوع التقرير لتقوم برصد وتوثيق التطورات والممارسات الإيجابية على صعيد السياسات الثقافية.
 أما المحور الثالث فيتعلق بالمعلومات والتوثيق وتضمن التوصية بإعداد تقارير سنوية وأخرى تصدر كل شهرين، على أن تصدر التقارير السنوية اعتبارًا من نهاية 2011 بينما يصدر تقرير كل شهرين اعتبارًا من نوفمبر 2010. كذلك أوصى المؤتمر بضرورة العمل على استكشاف إمكانية ابتكار مؤشر للفعل الثقافي لقياس الفعل الثقافي في البلدان الثمانية، وذلك بناء على نقاش وحوار بين المسئولين الحكوميين في مجال الثقافة والناشطين الثقافيين المستقلين.
 وفي النهاية كانت هناك توصيتين مهمتين لهما صفة العمومية، الأولى التأكيد على التحالف مع القطاعات الأخرى في المجتمع ذات الصلة بالعمل الثقافي مثل قطاعات التعليم والإعلام، والثانية اعتبار كل المشاركين في المؤتمر شركاء محتملين في تنفيذ هذه التوصيات.
 لقد جاء هذا المؤتمر كحدث مهم وإيجابي في الحياة الثقافية في المنطقة العربية، وحمل بادرة للتعاون والعمل المشترك بين مؤسسات العمل الثقافي الحكومية والمستقلة من أجل تطوير الواقع الثقافي في مجتمعاتنا والتقدم به إلى الأمام.
الدستور 16 يونيو 2010

أنواع كثيرة... كوكب واحد... مستقبل واحد - من أرشيف مقالاتي القديمة


مخربشات
أنواع كثيرة... كوكب واحد... مستقبل واحد
عماد أبو غازي
 من بين كل ثلاثة أنواع من الأسماك هناك نوع مهدد بالانقراض، ومن بين كل ثمانية أنواع من الطيور هناك نوع مهدد بالانقراض، هذا فضلًا عن أكثر من نصف أنواع الحشرات والنباتات على كوكب الأرض، كل هذه الكائنات مهددة بالانقراض بسبب رعونة الإنسان وغروره وجهله، أما الثدييات التي ننتمي إليها نحن البشر فنوع من كل أربعة أنواع منها مهدد بالانقراض، أي أن ربع الثدييات باتت مهددة بالاختفاء.
 لهذا اختارت الأمم المتحدة شعارًا ليوم البيئة العالمي هذا العام يعكس الرغبة في الحفاظ على التنوع البيولوجي على كوكبنا، هذا التنوع الذي يعد صمام أمان لاستمرار الحياة على الأرض، هذا التنوع الذي أصبح مهددًا أكثر من أي وقت مضى بصورة تهدد مستقبلنا جميعًا، ليس فقط مستقبل الكائنات المهددة بالانقراض، بل أيضًا مستقبل الكائنات المرشحة للبقاء، وفي مقدمتها الإنسان، إننا نواجه خطر غير مسبوق منذ العصر الذي أنقرضت فيه الديناصورات، فالتغيرات المناخية والنمو الاقتصادي الجائر على البيئة والموارد يهددان التنوع الحيواني والنباتي على سطح الأرض وفي أعماق البحار، والأمر ليس مجرد انقراض نوع من الطيور أو الحشرات أو الحيوانات، وليس مجرد اختفاء أنواع من النباتات، إن الانقراض الجماعي للأنواع يهدد التوازن في دورة الحياة على الأرض، ويهدد بقاء الإنسان.
 لقد اختارات الأمم المتحدة "أنواع كثيرة... كوكب واحد... مستقبل واحد..." شعارًا لليوم العالمي للبيئة لعام 2010.


 ويوم البيئة العالمي يصادف يوم 5 يونيو من كل عام، إنه اليوم الذي تحتفل به دول العالم منذ عام 1972 وتتخذه ناقوس خطر ينبه الغافلين عن المخاطر التي تحيط بنا، وقد بدأ الاحتفال عندما انطلقت أول صيحة تحذير دولية تنبه للمخاطر التي يتعرض لها كوكبنا بسبب التلوث الذي نتج عن الثورة الصناعية؛ ففي عام 1972، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 5 يونيه يومًا عالميًا للبيئة وذلك في ذكرى افتتاح مؤتمر استكهولم حول البيئة الإنسانية، كما صدقت الجمعية العامة في اليوم ذاته على قرار تأسيس برنامج الأمم المتحدة للبيئة.
 وفي كل عام يتم اختيار شعارًا ليكون شعار لليوم العالمي للبيئة، يعمل جميع الناشطين من أجل إنقاذ الكوكب تحت هذا الشعار ويترجمونه إلى فعاليات وأنشطة متنوعة تهدف إلى زيادة أعداد من يتبنون قضايا الدفاع عن البيئة، في العام الماضي رفعت الأمم المتحدة شعار: "كوكبنا يستغيث بنا، فلنكن أممًا متحدة في مكافحة تغير المناخ"، وفي عام 2008 كان الشعار: "فلنكسر العادة".
 وهذا العام ومع تزايد المخاطر التي تهدد التنوع البيولوجي على كوكبنا، خاصة بعد فشل قمة كوبنهاجن الأخيرة في نهاية العام الماضي في تبني موقف عالمي حازم في مواجهة التغيرات المناخية، رفعت الأمم المتحدة شعارًا يعكس أهمية التنوع لمستقبل كوكبنا، إن الشعار كما تقول نشرة منتدى البيئة التي تصدرها الشبكة العربية للبيئة والتنمية، "عبارة عن رسالة تركز على الأهمية المحورية للثروة الإيكولوجية عبر العالم من الأنواع الحية وأيضا النظم البيئية، إن يوم البيئة العالمي هذا العام يقدم الدعم العالمي للتنوع الحيوي".
 وفي كل عام يتم اختيار دولة من الدول لاستضافة الاحتفالية العالمية، بالطبع تشارك جميع دول العالم من خلال مؤسساتها الحكومية والأهلية ومن خلال مبادرة الناشطين فيها في قضايا البيئة في هذا الاحتفال، لكن تكون هناك دولة تعد بمثابة المضيف اللاحتفال الرسمي الرئيسي.
 وفي هذا العام وقع الاختيار على رواندا تلك الدولة الأفريقية صغيرة المساحة واسعة الثراء في تنوعها البيولوجي، إن رواندا دولة من دول منابع النيل تعاني من مشكلات عديدة، لكنها أخذت في السنوات الأخيرة تتبنى سياسة بيئية رشيدة، وأصبحت معايير السلامة البيئية تحكم كل سياسات التنمية في هذا البلد الأفريقي الذي أضحى رائدًا في المجال البيئي، وقد حكى لنا الدكتور عماد الدين عدلي رئيس رئيس مجلس إدارة المكتب العربي للشباب والبيئة، وأحد أبرز الناشطين في مجال البيئة في مصر منذ أكثر من ثلاثة عقود، أثناء احتفال لجنة ثقافة البيئة بالمجلس الأعلى للثقافة والمكتب العربي باليوم العالمي للبيئة، كيف اتخذت رواندا قرارًا بمنع استخدام البلاستيك أو حتى دخوله إلى البلد، حماية للبيئة من هذا العدو الخطير.
 لقد راهنت الأمم المتحدة على أن يأتي احتفال هذا العام باليوم العالمي للبيئة احتفالا غير مسبوق، فكل عام يزداد عدد المشاركين على نطاق كوكبنا، اليوم انطلق الاحتفال الرسمي في كجالي العاصمة الروانداية، وبالتوازي انطلقت آلاف الاحتفاليات في آلاف المواقع على سطح الأرض.
 لنعمل معًا جميعًا من أجل الحفاظ على التنوع في الحياة على كوكبنا الواحد الذي يجمع الإنسان مع غيره من الكائنات، لأن الدفاع عن هذا التنوع دفاع عن وجودنا، فالمستقبل واحد لنا ولغيرنا من الكائنات.
الدستور 9 يونيو 2010

بيت الست وسيلة - من أرشيف مقالاتي القديمة


مخربشات
بيت الست وسيلة

عماد أبو غازي

بيت الست وسيلة واحد من بيوت القاهرة التاريخية في المنطقة القريبة من الجامع الأزهر، وقد تم ترميم البيت الذي كان متهالكًا مثل كثير من آثار القاهرة، وقد نجح جهاز مشروع القاهرة التاريخية في إعادة هذا البيت إلى الحياة مرة أخرى بعد ما كاد أن يندثر، ليسجل بذلك جهاز القاهرة التاريخية إنجازًا يضاف إلى انجازاته العديدة في انقاذ آثار القاهرة الفاطمية وامتداداتها، ليقف إلى جانب بيوت ووكالات ومدارس ومساجد وأسبلة صحت بعد موت بفضل الجهود الجبارة للقائمين على مشروع القاهرة التاريخية، لقد انتهت أعمال الترميم في بيت الست وسيلة منذ سنوات قليلة، لكنه ظل خاليًا غير مستخدم، إلى أن وقع الاختيار عليه ليكون بيت للشعر.


 ومساء يوم الأحد الماضي افتتح الفنان فاروق حسني بيت الست وسيلة كبيت للشعر، في حفل حضره عشرات من الشعراء والنقاد والمثقفين والإعلاميين، وبهذا أضاف وزير الثقافة مركزًا جديدًا للإشعاع الثقافي في قلب القاهرة الفاطمية يضاف إلى مجموعة من المراكز الثقافية المهمة التي بزغت في السنوات الماضية في تلك المنطقة، بيت العود العربي، وقبة الغوري، ووكالة الغوري، وبيت السحيمي، ومتحف النسجيات، وغيرها من مواقع النشاط الثقافي والفني، وننتظر أن يضاف إليها قبل نهاية هذا العام مركز ومتحف نجيب محفوظ الذي سوف يشغل وكالة أبو الذهب المجاورة للجامع الأزهر.

 وقد بدأت فكرة إنشاء بيت للشعر المصري باقتراح من الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي قبل سنوات قليلة، وقد استجاب الفنان فاروق حسني وزير الثقافة للفكرة واقترح لها بيت الست وسيلة.
 وسوف يكون بيت الشعر المصري مركزًا لأنشطة ثقافية متنوعة تنطلق من الشعر وتدور حوله، ما بين أمسيات شعرية وحفلات موسيقية غنائية، وندوات نقدية تناقش الشعر والشعراء، ومعارض لأعمال تشكيلية تستلهم الشعر وتحاوره.


 وقد جمع حفل الافتتاح بين الشعر والموسيقى، فبدأت فقرته الأولى بقصائد تمثل الشعر المصري منذ عصور حضارتنا المصرية القديمة مرورًا بالمرحلة الهلينستية ثم القبطية، وقد اختار أشعار تلك المراحل وقدمها الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، ثم ألقى الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة قصائد من المرحلة العربية الوسيطة، واختار عمر بن الفارض والبهاء زهير لتمثيل تلك الحقبة، وقدم الشاعر فاروق شوشة نماذج من الشعر المصري الحديث من البارودي إلى أمل دنقل، أما أشعار العامية المصرية فكان تمثيلها من خلال العملاقين فؤاد حداد وصلاح جاهين، ألقى الشاعر أمين حداد قصيدة فؤاد حداد عن محمد عبيد بطل الثورة العرابية الذي استشهد في التل الكبير، وألقى الشاعر حسام نصار مقاطع من رائعة صلاح جاهين على اسم مصر.


 أما الشق الموسيقي فكان من معزوفات الموسيقار نصير شمة الذي قدم ثلاث مقطوعات مستلهمات من شوقي ولوركا والسياب.
 هذا ويقع بيت الست وسيلة في عطفة العنبة في قلب منطقة زاخرة بالآثار التي تعود إلى فترات مختلفة من تاريخ مصر في العصور الإسلامية، وزاخرة بالمراكز الثقافية التي تشع نورًا من قلب آثار الماضي، البيت يلاصق بيت الهراوي الذي أصبح منذ سنوات مقرًا لبيت العود العربي، وأمام البيتين بيت زينب خاتون، أحد البيوت المرممة حديثًا، وبالقرب من البيوت الثلاثة، مدرسة العيني وقاعة شاكر الغنام وسبيل ووكالة السلطان قايتباي.
 والبيت من آثار القاهرة التي ترجع إلى القرن السابع عشر الميلادي - الحادي عشر الهجري، وقد أنشأ هذا البيت الحاج عبد الحق بن محمد الكناني وشقيقه لطفي، وكان ذلك في سنة 1664م/ 1074هـ، والبيت مشيد على الطراز المعماري لبيوت العصرين المملوكي والعثماني، ويتميز بمجموعة الكتابات التي تؤطر جدرانه، وباللوحات الجدارية المصورة على حوائط المقعد الصيفي المطل على فناء البيت، وهي لوحات تصور مناظر الحج ورحلات إلى القدس واسطنبول.
 أما الست وسيلة التي يحمل البيت اسمها إلى الآن فهي وسيلة بنت عبد الله البيضا جارية الست عديلة بنت إبراهيم بك الكبير، وقد سكنت في البيت بعد أن أعتقتها سيدتها، وقد توفيت الست وسيلة في 4 مايو سنة 1835 / 6 محرم سنة 1251هـ، وظل البيت يحمل اسمها إلى الآن.
 إن المتجول بين أركان بيت الست وسيلة يشعر أنه كان بيتًا تملؤه الحياة، وهاهي الحياة تعود إليه مرة أخرى بعد أكثر من قرن ونصف ليصبح محلًا للقاء الشعراء بجمهورهم ونقاد شعرهم.
الدستور 2 يونيو 2010

الخميس، 6 ديسمبر 2018

الثقافات الأفريقية وتحديات عصرنا... من أرشيف مقالاتي القديمة


مخربشات
الثقافات الأفريقية وتحديات عصرنا
عماد أبو غازي
 إن قارتنا الأفريقية تواجه تحديات كبيرة، أغلبها ورثناه عن الحقبة الاستعمارية، وبعضها كامن في جذور تراثنا تراكم عبر الزمن وتفجر في لحظات الضعف.

في افتتاح الملتقى الأول للثقافات الأفريقية مايو 2010

لقد ترك لنا الاستعمار ميراثًا مثقلًا بالمشكلات في القارة، وقد نجحنا في تجاوز بعضه، لكن مشكلات جديدة ظهرت مع سنوات الاستقلال وتفاقمت، خرج الاستعمار وترك انقسامات عرقية وقبلية في كثير من بلدان القارة، وانقسامات دينية أحيانًا في بعض هذه البلدان، وقد أدت هذه الانقسامات إلى حروب أهلية سقط فيها مئات الألوف من الضحايا وشرد الملايين لاجئين عبر الحدود وأُهدرت الموارد وسقطت مؤسسات الدولة المدنية الحديثة، وتداخلت الحروب الأهلية بالحروب الأقليمية بين دول القارة بسبب تداخل الامتدادات العرقية والقبلية عبر الحدود التي ورثتها القارة عن الحقبة الاستعمارية، وأقرتها منظمة الوحدة الأفريقية باتفاق دولها عند تأسيسيها في محاولة لتلافي انفجار الصراعات بين دول القارة.
 وإذا نظرنا إلى حال قارتنا في هذا العام الذي يمر فيه نصف قرن على موجة الاستقلال الكبرى لدول القارة سنجد حال القارة لا يسر، أفريقيا الغنية بمواردها وثرواتها تعجز شعوبها عن الاستفادة بتلك الموارد الضائعة المهدرة بين الفساد والصراعات والحروب، الأمراض والأوبئة تفتك بشعوب القارة، وبدلًا من أن نصارعها نتصارع فيما بيننا.  
 وإذا كان الساسة قد عجزوا على مدى نصف قرن من الاستقلال عن تجاوز تلك المشكلات، بل ربما فاقموها، فإن المثقفين قد يكون لهم دور في انطلاق القارة انطلاقه جديدة، وربما كان هذا التصور وراء اتجاه الاتحاد الأفريقي الذي حل محل منظمة الوحدة الأفريقية إلى الاهتمام بالعمل الثقافي بصورة واضحة.
 وأظن أنه يقع على مثقفي القارة ومبدعيها عبء التصدى لكثير من هذه المشكلات من مدخل الثقافة، عليهم أن يسعوا لامتلاك زمام المبادرة من أجل تجاوز العوائق التي تقف أمام مسيرة شعوبنا، خاصة أن ثقافتنا تشكل ميزتنا التنافسية الأساسية في عالم اليوم.  
 إن الثقافة قوة دافعة للمجتمعات تمكنا من التصدي لكثير من المشكلات التي تواجهنا، فالثقافة آداة لتحقيق المشاركة المجتمعية وتنمية شعور الانتماء وتفعيل قيم المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص، والثقافة آداة لنشر قيم التسامح وقبول الآخر المختلف عرقيًا وقبليًا ودينيًا، والثقافة مدخل للترويج لقضايا النوع الاجتماعي عبر تقديم رسالة ثقافية تعلى من قيمة المرأة ودورها فى بناء المجتمع وفى تحقيق التنمية الشاملة، وهي في الوقت ذاته وسيلة لتأهيل الشباب والأطفال والأجيال الجديدة عمومًا للمشاركة المجتمعية عبر الثقافة، من خلال إدماجهم في الأنشطة الثقافية المختلفة، ومن خلالها يمكن المساهمة في خلق فرص جديدة للعمل والاستثمار من خلال التدريب الحرفى وتنمية المهارات للشباب في مجال الصناعات التقليدية والتراثية، بما يضمن الحفاظ على هذه الصناعات وعدم اندثارها من ناحية، ومواجهة البطالة بإتاحة فرص الاستثمار فى المشروعات الصغيرة أمام الشباب من ناحية أخرى.
  وإذا كان عصر العولمة قد شكل تحديًا جديدًا يضاف إلى تحديات كثيرة واجهنها، فيجب أن نجعل من معطيات العولمة فرصة جديدة تتيح لمثقفينا التعامل مع مشكلات القارة، وتتيح لثقافاتنا في القارة الأفريقية المزيد من الحضور العالمي والإسهام في رقي الإنسانية، إن قارتنا التي شهدت عبر تاريخها الممتد حضارات أسهمت في التراث الإنساني العالمي إسهاما إيجابيًا فعالًا تملك من الرصيد الحضاري والثقافي ما يؤهلها لمواجهة تحديات العولمة من خلال انتاج ثقافي قوي يؤكد هويتها  ويعزز مقومات شخصيتها، وتدافع عن خصوصيتها في ثقافة العصر الجديد وقيمه، لقد أصبحت الثقافة في ظل الظروف السياسية والاقتصادية الجديدة رهانًا ينبغي كسبه، فثورة الاتصالات التي حولت العالم إلى قرية كونية صغيرة تفرض علينا أن نواجه التحدي الذي تفرضه والمتمثل في سيادة ثقافة الأقوى تقنيًا، خاصة بعد أن أصبحت الثقافة والمعرفة في الوقت الراهن قوة وسلطة وسلعة تفرض سيطرتها وتصدر عبر أنحاء العالم بواسطة الأقمار الصناعية من خلال الفضائيات والإنترنت، وأصبحت الصناعات الثقافية ذات مردود اقتصادي كبير يفوق أحيانًا عائد الصناعات التقليدية، إن المجتمعات النامية تواجه تحديات كبيرة تفرضها طبيعة الاقتصاد العالمي الجديد القائم على تقنية الاتصالات، وإذا لم نقم صناعاتنا الثقافية على أساس قوى فلن تقوم لنا قائمة، لكن هذا الأساس القوى لن يتحقق إلا بمزيد من الحرية الفكرية والشفافية، وبالتعاون بين الدول والمؤسسات الأهلية والمؤسسات الاقتصادية العاملة في مجال الصناعات الثقافية، وباحترام مبادرات المجتمع المدني، وبإشاعة ثقافة التسامح وتقبل الآخر، والاعتراف بالتنوع الثقافي الذي يعتبر من خصائص قارتنا، والتعددية التي نستطيع بجهودنا أن نجعل منها عنصر قوة وثراء، بدلًا من أن تكون عنصر ضعف وانقسام.
  لكل هذا تأتي أهمية عقد المؤتمرات والملتقيات الثقافية التي تجمع المثقفين من مختلف بلدان القارة، لتحقيق التفاعل فيما بينهم، وللناقش في قضايا واقع قارتنا الثقافي وطرح التصورات المختلفة من أجل مستقبل أفضل لأفريقيا من أجل مكانة تليق بهذه القارة.
الدستور 26 مايو 2010

الأربعاء، 5 ديسمبر 2018

أيام أفريقية... من أرشيف مقالاتي القديمة


مخربشات
أيام أفريقية
عماد أبو غازي
 على مدى ستة أيام شهدت القاهرة لقاءات ثقافية أفريقية متواصلة، بدأت في المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية بافتتاح مؤتمر "تفاعل الثقافات الأفريقية في عصر العولمة" الذي نظمه المجلس الأعلى للثقافة على مدار أربعة أيام، وشارك فيه أكثر من سبعين من مثقفي القارة الأفريقية ومبدعيها وباحثيها، من مصر والسودان وإرتيريا وأثيوبيا والصومال وكينيا وتنزانيا وموزمبيق وجنوب أفريقيا وغانا والسنغال ونيجريا والنيجر ومالي وتشاد وموريتانيا والمغرب وتونس وليبيا.

كلمتي في افتتاح الملتقى الأول للثقافات الأفريقية
 وقد أعقب هذا المؤتمر، وعلى مدى يومين، اجتماع تشاوري تخطيطي للكوديسريا (مجلس تنمية البحوث الاجتماعية في أفريقيا) لدراسة دمج اللغة العربية في اللغات المستخدمة في المجلس، في محاولة لتحقيق مزيد من التفاعل بين الباحثين في مجال العلوم الاجتماعية في شمال القارة وباقي زملائهم، وقد شارك في الإعداد مركز البحوث الأفريقية العربية بالقاهرة، الذي يرأس مجلس الأمناء به المفكر الكبيرسمير أمين، ويديره واحد من الأسماء البارزة في مجال الدراسات الأفريقية بمصر، حلمي شعراوي.
 كانت أفريقيا في بؤرة الاهتمام الثقافي في القاهرة على مدى الأسبوع الماضي، أفريقيا التي غابت كثيرًا عن اهتمامتنا عادت مرة أخرى لتحتل مكانتها ضمن أولوياتنا الثقافية.
 لقد كان مؤتمر تفاعل الثقافات الأفريقية مجرد بداية، فالمؤتمر لن يكون الأخير، بل سيعقد بشكل دوري مرة كل عامين، وإذا كانت الدورة الأولى للمؤتمر قد اتخذت لها موضوعًا شديد العمومية باعتبارها بداية أولى للتفاعل والتعارف، فسوف تخصص كل دورة من دورات المؤتمر لمجال معرفي أو إبداعي، أو لموضوع بيني محدد.


 والاهتمام بأفريقيا ينبع من أفريقية مصر جغرافيًا وحضاريًا، فإذا كانت أفريقيا منبع الحضارة الإنسانية، بل منبع الإنسانية نفسها، فمنها خرج الإنسان الأول، وعلى أرضها ظهرت أقدم الحضارات على كوكبنا، فإن الحضارة المصرية القديمة تعد أقدم حضارات قارتنا المعروفة، وإذا كانت الحضارة المصرية قد تفاعلت طوال التاريخ مع حضارات البحر المتوسط وغرب آسيا وأثرت فيها وتأثرت بها، فإن جذور الحضارة المصرية جذورا أفريقية، كما أن تأثيرتها امتدت إلى داخل القارة أيضًا.
 ولما كانت الحضارة ـ أية حضارة ـ هي نتاج إبداع العقل والفكر الإنساني عندما يمارسان نشاطهما في حرية وتسامح وفي إطار حوار حر خصب مع الآخرين، فإنها لا تستطيع أن تعيش منعزلة عن غيرها من الحضارات، وبقدر ما يحمل تاريخ قارتنا من مشاهد للصراع الحضاري بقدر ما يحمل أيضًا صورًا للحوار والتفاعل، لقد قدمت قارتنا للعالم في عصور مختلفة نماذج لهذا الحوار، ففي داخلنا يكمن نسيج حضاري متميز، تشكل على امتداد قرون طويلة من تفاعل حضارات وثقافات عديدة امتزجت كلها لتقدم للبشرية انجازات رائعة فى شتى مجالات العلوم والفنون، لم تزل بعض شواهدها قائمة إلى يومنا هذا، وما زالت القارة تحمل إمكانيات كبيرة كامنة تتيح لشعوبنا فرص التطور والانطلاق.
 وأظن أن الثقافة مدخلًا مهمًا كي نحقق أحلامنا وآمالنا في مستقبل أفضل لقارتنا، فكما أكد تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة، بحق، فإن: "الثقافة والقيم هما روح التنمية، فهما توفران زخمًا لها، وتيسران الوسائل اللازمة لتعزيزها، وتحددان تصور الناس لأغراضها وغايتها، إضافة لذلك فإنهما تساعدان على تشكيل آمال الناس ومخاوفهم، وطموحاتهم ومواقفهم، وأفعالهم اليومية، وتشكلان مُثل الناس، وتلهمان أحلامهم في حياة فاضلة لهم ولأجيالهم القادمة".
 هذا وتميل الرؤى الجديدة فى التنمية إلى أنه لتعزيز التنمية الإنسانية لابد من إيلاء اهتمام خاص بعدد من القيم التى تدفع بالتنمية إلى الأمام، مثل التسامح واحترام التنوع الثقافي، ومراعاة حقوق واحتياجات المرأة والشباب والأطفال، وحماية البيئة، ودعم شبكات الأمان الاجتماعي لحماية الضعفاء، وعدم التساهل مع قضايا البطالة المفرطة، وتقدير قيمة المعرفة والتعليم، والاهتمام بالمفاهيم التى تؤدى إلى تحقيق الكرامة والرفاه الإنسانى.
 كما أن مفهوم التنمية لم يعد قاصرًا الآن على محاولة اللحاق اقتصاديًا بالدول الأكثر تقدمًا بقدر ما يهتم بالكشف عن قدرات الشعوب وإمكان استغلالها، الأمر الذي يعنى ضرورة التعرف على ثقافات الشعوب ودراستها دراسة عميقة لفهمها والاسترشاد بها، من أجل صياغة سياسات ثقافية تسهم في رقي شعوبنا، وتضع التنمية الشاملة لمجتمعتنا نصب عينيها.
 إن الربط بين إستراتيچيات العمل الثقافي وأهداف المجتمع التنموية بات ضرورة لازمة لتحقيق التنمية في ظل معطيات مجتمع المعرفة، إذ أن السياسة الثقافية لن تؤتى ثمارها ما لم نشارك جميعًا ـ مثقفون وأجهزة ثقافية ـ في دفع عجلة التنمية الشاملة، خاصة وأن أي خطة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية تظل قاعدتها هشة ما لم تستند إلى تنمية ثقافية جذرية، تعتمد ديمقراطية الثقافة باعتبارها هدفًا ووسيلة في آن واحد.
 وللحديث بقية.
الدستور 19 مايو 2010

الثلاثاء، 13 نوفمبر 2018

قضية الليالي... مواقف ومواقف.... من أرشيف مقالاتي القديمة


مخربشات
قضية الليالي... مواقف ومواقف
عماد أبو غازي
 في مواجهة الهجمة التي تعرضت لها "ألف ليلة وليلة"، وردا على دعاوى مصادرتها وملاحقة من أصدروها، وقف غالبية المثقفين في مصر موقفا موحدا ضد دعاوى المصادرة، وضد فرض الوصاية على العقول، وتحديد جماعة من الناس لنا ما نقرأه وما لا نقرأه.
 تقاربت معظم آراء المثقفين والمبدعين في الحوارات الصحفية والبرامج التلفزيونية والإذاعية، واتحدوا في رفضهم لاستئصال أجزاء من التراث، ورفضهم للحجر على حقنا في أن نقرأ ما نريد.
 وبادر اتحاد كتاب مصر إلى عقد مؤتمر أعرب فيه الاتحاد عن رفضه لمصادرة ألف ليلة وليلة، كما نظمت الهيئة المصرية العامة للكتاب ندوة ناقشت فيها ألف ليلة وليلة ودعاوى المصادرة شارك فيها عدد من النقاد والمبدعين رفضوا فيها موجات الظلام التي تحاول اجتياح ثقافتنا.
 وفي نفس الوقت أصدر رؤساء تحرير السلاسل التي تصدر عن هيئة قصور الثقافة في اجتماع عقدوه برئاسة الدكتور أحمد مجاهد رئيس الهيئة قرارا بإصدار طبعة ثانية من ألف ليلة وليلة، بعد نفاد الطبعة الأولى، وقد صدرت بالفعل الأسبوع الماضي مذيلة بالحكم القضائي الصادر سنة 1986، والذي قضى برفض مصادرة ألف ليلة وليلة عندما أثيرت ضجة مماثلة حولها حينذاك، وكان حكم المحكمة باتا وقاطعا في أن ألف ليلة وليلة تراث إنساني لا يجوز المساس به.
 ورغم أن مواقف غالبية المثقفين والمبدعين كانت واضحة في رفضها لمنطق المصادرة والوصاية، إلا أن هناك من كان لهم موقف آخر.
 فهناك من رأى مثل الأستاذ الدكتور أحمد درويش "أن كتب الأدب شأنها شأن كتب العلم ليست متاحة وسهلة لكل الناس، فلا يعطى الكلام العلمي لغير المتخصصين، خاصة إذا كان من المراهقين"، ورغم أن الدكتور درويش يعود فيؤكد رفضه لمنع هذه الكتب لكنها يرى تحديدها "في إطار الطبعة المتخصصة للقارئ المتخصص".
 وفي الحقيقة فإن العالم قد تجاوز فكرة احتكار العلم والمعرفة على فئة من المجتمع دون غيرها منذ زمن بعيد، لقد حرر اختراع يوحنا جوتنبرج للمطبعة الإنسانية من سيطرة حفنة قليلة من السدنة للمعارف والعلوم، وأصبح العلم والأدب متاحا للكافة.
 وعندما طبعت هيئة قصور الثقافة ألف ليلة وليلة، أو بالأحرى أعادة نشر طبعة بولاق الصادرة للمرة الأولى في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، لم تطبعها للمراهقين أو للأطفال، إنما طبعتها طبعة عامة في آلاف قليلة من النسخ، ولا أعرف نموذجا سابقا في عصرنا هذا يحدد فيه سن من يمكن أن يطالعوا كتاب، أظن أن الأفلام السينمائية وحدها هي التي يتم تحديد سن لمشاهدتها بمعرفة أجهزة الرقابة، وحتى هذا القيد الرقابي يكاد يسقط مع انتشار التقنيات الحديثة في نسخ وتداول الأفلام، وتبقى مهمة الأجهزة الرقابية التنبيه ومهمة الأهل المتابعة، لكن الكتاب شيء آخر.
 وقد تعجبت من المقارنة بين الليالي والمخدرات في سياق التأكيد على أن الحرية ليست مطلقة، فمن المؤكد أن الحرية تحدها قيود عدم الإضرار بالغير أو بالنفس، لكني لا أظن أن الأدب مهما جاء فيه من عبارات يمكن أن يكون ضارا مثل المخدرات.
 أما عن تبسيط الأدب فهذا أمر آخر، وأظن أن ألف ليلة وليلة قد صدرت لها طبعات مهذبة وأخرى مبسطة، وثالثة للأطفال، لكن هذا لا ولن يلغي الاحتياج إلى وجود الطبعة الكاملة والتي تصدر في إطار سلسلة متخصصة في كتب التراث.
 أما القول: "إن هناك ألفاظا كانت مقبولة في وقت ما ـ ليس في الأدب وحده بل في الدين أيضا ـ وأصبحت الآن غير مقبولة"، فيدفع لطرح السؤال، مقبولة من من؟ وإذا كان هناك بضعة آلاف اشتروا ألف ليلة وليلة وقبلوها، وعشرات الآلاف غيرهم يشترون كتبا دينية ويقبلوها، فمن الذي يمكن أن يعطي لنفسه حق الوصاية على ذوق الناس.
 ومن حدد الذوق العام في الوقت الحالي؟ ومن يملك تحديد حساسيته من استخدام بعض الألفاظ الموجودة في ألف ليلة وليلة؟
 هل سيخدش حياء الذوق العام عبارات تأتي في سياق نص أدبي، وهذا الذوق العام يسمع ليل نهار أسوأ الألفاظ على قارعة الطريق!
 ثم يأتي كاتب في سياق تحفظه على موقف المثقفين المعترضين على مصادرة ألف ليلة وليلة ليتحدى "أن يقوم أحد المنتفضين ضد المصادرة بنشر مقاطع منها في مقال أو موضوع صحفي يقرأه العامة"، ويتساءل "إننا لم نسمع صوتا من اتحاد الكتاب أو غيره من مؤسساتنا الثقافية الرسمية حين جرت عملية ختان دامية لمناهج التعليم لحذف واستبعاد ما يعتبره من بيدهم الأمر ضد "ثقافة السلام"...لماذا نكون ضد المصادرة هنا ومع المصادرة هناك؟
 إنه نموذج لخلط الأمور ببعضها، من قال إن عبارة تأتي في سياق نص أدبي يمكن نشرها في مقال صحفي؟ ثم ما علاقة مناهج التعليم بالتراث الأدبي الذي ثار المثقفون دفاعا عنه؟ ومن قال إن مناهج التعليم لا تمس، إن طبيعة مناهج التعليم أن تتغير ويعاد النظر فيها بشكل مستمر، ومن الطبيعي أن يحذف منها ويضاف إليها، أما التراث الذي تركه لنا الأقدمون وإبداع المعاصرين، فلا يحق لأحد أن يمسه أو يفرض عليه وصايته.
الدستور 12 مايو 2010

الخميس، 4 أكتوبر 2018

الوصاية على عقل مصر


مخربشات
الوصاية على عقل مصر
عماد أبو غازي
 عدت من رحلتي اللندنية بعد رفع الحظر على الطيران لأواجه الحذر على العقول، فقد وجدت الصحافة تتحدث عن قضية جديدة من قضايا مصادرة حرية التعبير والإبداع.


 بلاغ تقدم به مجموعة من المحامين للنائب العام، يطالبون بحبس الدكتور أحمد مجاهد رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة والكاتب الكبير جمال الغيطاني رئيس تحرير سلسلة الذخائر التي تصدرها الهيئة والتي تنشر روائع التراث العربي وتتيحها للقارئ بسعر زهيد.
 أما السبب ويا للعجب، أنهما أعادا نشر طبعة بولاق من "ألف ليلة وليلة"، تلك الطبعة التي صدرت للمرة الأولى سنة 1251 هجرية أي في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وصدرت عن مطبعة بولاق التي أنشأها محمد علي باشا في إطار مشروعه لتحديث مصر.
 "ألف ليلة وليلة" نص من أهم نصوص الأدب العربي في العصر الوسيط، والنص مجهول المؤلف، أو بمعنى أدق ليس له مؤلف واحد، فما يذكره الدارسون عن ألف ليلة وليلة أنها لم تخرج بصورتها الحالية منذ البداية، وإنما أُلّفت على مراحل وأضيفت إليها على مر الزمن مجموعات من القصص بعضها له أصول هندية قديمة معروفة، وبعضها مأخوذ من أخبار العرب وقصصهم، كما أن ألف ليلة وليلة ليس لها موطن واحد بل إن لقصصها مواطن متعددة، فقد ثبت أنها تمثل بيئات شتى خيالية وواقعية، وأكثر البيئات بروزا فيها هي العراق وسوريا ومصر؛ وربما نستطيع أن نقول إن القصص بشكلها الحالي يرجح أن تكون كتابتها قد اكتملت في القرن الرابع عشر الميلادي، أي في زمن المماليك.
 وقد أصبحت "ألف ليلة وليلة" نصًا أدبيًا عالميًا، وذاع صيتها وذلك منذ ترجمها المستشرق الفرنسي انطوان جالان إلى الفرنسية عام 1704م، وقد ترجمت بعد ذلك إلى لغات عديدة وعرفت باسم "الليالي العربية".
 وفي عالمنا العربي اهتم كثير من الباحثين بدراسة "ألف ليلة وليلة" باعتبارها نصًا أدبيًا من أهم نصوص التراث العربي، وربما كانت دراسة سهير القلماوي عن "ألف ليلة وليلة" من أوليات الدراسات الحديثة وأهمها عن هذا النص التراثي العظيم، كما كان من أبرز من درسوا "ألف ليلة وليلة" جمال الدين بن شيخ ومحسن مهدي، وقد رحل ثلاثتهم عن عالمنا قبل أن تصدمهم دعاوى مصادرة التراث التي نعيش في ظلالها الكئيبة الآن.


 وقد كتب د.محسن مهدي أستاذ الحضارة العربية بجامعة هارفارد والذي يعد من أهم من درسوا ألف ليلة وليلة من العرب عن هذا النص معرفًا برحلته فقال: "بعد أن انتقلت نسخة الكتاب الخطية بين مصر والشام مدة تزيد على أربعة قرون من الزمن، وترجم من نسخ خطية إلى اللغة التركية والفرنسية والإنجليزية، وظهرت منه مقتطفات مطبوعة في إنجلترا في نهاية القرن الثامن عشر من الميلاد، طبع الكتاب لأول مرة في كلكتا في الهند في جزئين، في المطبعة الهندوستانية وبرعاية كلية فورت وليم، الجزء الأول بعنوان "حكايات مائة ليلة من ألف ليلة وليلة" عام 1814 م، والجزء الثاني بعنوان "المجلد الثاني من كتاب ألف ليلة وليلة يشتمل على حكايات مائة ليلة وأخبار السندباد مع الهندباد" عام 1818 م، نشره الشيخ أحمد بن محمود شيرواني اليماني أحد أعضاء هيئة التدريس في قسم اللغة العربية في الكلية المذكورة؛ وقد أقتصر الناشر على وضع مقدمة موجزة باللغة الفارسية ذات الأسلوب الهندي في أول كل واحد من الجزئين".
 وبعدها بسنوات قليلة صدرت في مصر الطبعة الأولى عن مطبعة بولاق سنة 1251 هجرية، التي راجعها الشيخ الشرقاوي كبير المصححين بالمطبعة، وأعقبتها طبعات أخرى عن مطبعة بولاق كان من أشهرها طبعة الشيخ قطة العدوي التي صدرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتعتبر طبعات مطبعة بولاق من أهم طبعات "ألف ليلة وليلة" وأكملها.
 ولم نجد في عصور مجد الحضارة العربية والإسلامية في الأدب والفن من يتبرأ من "ألف ليلة وليلة"، أو يتصدى للمطالبة بمنعها، كما لم نجد في القرن التاسع عشر عندما عرفت مصر المطبعة الحديثة من يدعو لمصادرتها أو لعزل محمد علي باشا الذي أمر بطبعها، أو حبس الشيخ الشرقاوي والشيخ العدوي اللذان أشرفا على طبعها وتصحيحها ونشرها، لكننا عشنا لنرى من يتصدرون لفرض الوصاية على عقولنا وتقرير ما ينبغي أن نقرأه وما لا ينبغي، مصادرين أبسط حقوقنا، حق المعرفة.


 لقد أصبحت "ألف ليلة وليلة" تراثًا للإنسانية جمعاء ومصدرًا من أهم مصادر الإلهام للمبدعين في مجالات الفنون والآداب المختلفة، والتراث الإنساني لا يملك أحد كائنًا من كان أن يصادره أو يهذبه أو يحذف منه وفقًا لهواه، لقد ترك لنا الأقدمون تراثًا علينا أن نحافظ عليه، ومن لا يعجبه هذا التراث فليبتعد عنه ولا يقرأه.
 لكننا مدينون لجمال الغيطاني وأحمد مجاهد أن أتاحا لنا "ألف ليلة وليلة" في متناول أيدينا مرة أخرى.
  والأوصياء يمتنعون.
الدستور 5 مايو 2010