السبت، 8 يوليو 2017

"جامعة دينها العلم"... من أرشيف مقالاتي القديمة

   مخربشات 
"جامعة دينها العلم"

عماد أبو غازي
"جامعة دينها العلم" عنوان أحدث مؤلفات الناقد والمفكر المصري الدكتور جابر عصفور، عنوان الكتاب الذي يصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب مع احتفالات مئوية الجامعة المصرية مستلهم من كلمة قالها الزعيم سعد زغلول عن الاحتفال بافتتاح الجامعة، فقد  كتب سعد زغلول في مذكراته عن حفل افتتاح الجامعة في ديسمبر 1908، وعلق على كلمات الافتتاح التي ألقيت في الحفل فقال:"إن أحسنها تلاوة وإلقاء ومعنى وعبارة خطبة عبد الخالق ثروت، وأسوأها خطب رئيس الجامعة والخديوي، وأثقلها على السمع وأبعدها عن الموضوع وأفرغها من حسن الذوق خطبة أحمد زكي لأنه تكلم فيها عن الإسلام ومجده بأمور متكلفة ليس من اللياقة إلقاؤها في افتتاح جامعة لا دين لها إلا العلم".

عبد الخالق ثروت

أحمد زكي
 "لا دين لها إلا العلم"، هكذا كان تصور سعد زغلول وحلمه بالجامعة الوليدة، أن تقوم مثلها مثل أي جامعة حديثة على احترام العلم واتخاذه مرجعية وحيدة لعملها، ولكي يكون العلم وحده مرجعية الجامعة ـ أية جامعة ـ لابد من توافر مناخ الحرية، فالجامعة الحقيقية لا تقوم لها قائمة إلا بالحرية؛ حرية البحث العلمي وحرية التفكير حرية التعبير، للطلاب وللأساتذة.
 وجامعتنا المصرية منذ نشأتها قبل مئة عام تعيش في ظل أجواء صراع بين أنصار الحرية وأنصار المصادرة ـ مصادرة كل الحريات ـ في الجامعة، فمنذ سنوات الجامعة الأولى شهدت عدة أزمات كشفت عن مدى ضعف مجتمعنا وعجزه عن احتضان جامعة حديثة بفضل سيادة التيارات المحافظة في المجتمع وامتداد نفوذها إلى الجامعة.
 في السنوات الأولى لإنشاء الجامعة خاضت أربع معارك كشفت عن أن للجامعة دينا آخر غير العلم.
 في البداية كانت قضية جورجـي زيدان مؤسس دار الهلال وأول من دعا لتأسيس الجامعة المصرية، لقد كان للرجل دراسة مهمة عن التمدن الإسلامي دفعت إدارة تراجعت عن قرارها خشية أن يثير تكليف مسيحي شرقي بتدريس مادة التاريخ الإسلامي "مشاعر المسلمين العاديين غير المتعلمين"، فأثبتت الجامعة بعد أقل من عامين على افتتاحها أن دينها ليس العلم.

جورجي زيدان
 وبعد عامين آخرين اضطرت الجامعة إلى وقف الدراسة في الفرع النسائي استجابة لضغوط الرأي العام الرجعي الذي ثار ثورة عارمة لمجرد فكرة التحاق النساء بالدراسة الجامعية، وزادت ثورته عندما أرسل سكرتير الجامعة خطابات إلى النساء الملتحقات بالدراسة بمواعيد المحاضرات وكتب على أظرف الخطابات أسماء الطالبات، فاعتبر المعارضون لالتحاق النساء بالجامعة أن ما حدث فضيحة كبرى لا يمحوها إلا الدم، مرة أخرى فضلت إدارة الجامعة أن تتراجع خطوة إلى الوراء أمام قوى التخلف بدلا من الاستمرار في المواجهة.
 لكن المعارك الكبرى حول حرية البحث العلمي بدأت مع رسائل الدكتوراه سواء تلك التي حصل عليها طلاب الجامعة من المبعوثين الأوائل إلى أوروبا، أو تلك التي حصلوا عليها هنا في مصر، وتحضرني هنا قضيتان كانت النتيجة فيهما مختلفة، الأولى قضية منصور فهمي في رسالته عن "وضع المرأة في الإسلام" والثانية قضية طه حسين في رسالته عن أبي العلاء المعري.


 أما منصور فهمي فقد كان من طلبة البعثة الجامعية الأولى، التي أوفدتها الجامعة المصرية إلى فرنسا للعودة بالدكتوراه، وكان بعد ما يقارب أربع سنوات قد انتهى من إعداد دراسته عن وضع المرأة في الإسلام، إلا أن الجامعة طالبته بعدم تقديمها للمناقشة لما تصورته فيها من عبارات تمس التقاليد الدينية، إلا أن منصور فهمي رفض تعديل رسالته وأصر على مناقشتها، وحصل على درجة الدكتوراه بالامتياز مع مرتبة الشرف، وبعد عودته أسند إليه كرسي المذاهب الفلسفية بالجامعة، إلا أن الجامعة أقدمت على فصله في نهاية عام 1913 بعد ستة أشهر فقط من تعيينه، ولم تكتف الجامعة بذلك بل قررت أن يعرض عليها موضوعات البحث التي يختارها الطلاب لرسائلهم، وألا يقدموها للجامعات التي يدرسون بها إلا بعد موافقة الجامعة المصرية عليها، وأن يبعث الطالب بأصل رسالته إلى مجلس إدارة الجامعة للإطلاع عليها وإقرار ما يراه في شأنها!!!
كانت هذه هي الحادثة الأولى التي اختارت فيها الجامعة الخضوع لمنطق الرأي العام الديني والأخلاقي السائد، في مجال البحث العلمي، حتى ولو كان ذلك على حساب رسالتها وعلى حساب مبدأها: استقلال الجامعة عن الدولة والمجتمع في آن واحد. ذلك الخضوع الذي سيصبح سمة مؤسسية للجامعة في علاقاتها بمؤسسات الدولة، بما فيها البرلمان، ومؤسسات المجتمع بما فيها الصحافة.

منصور فهمي
وفي العام التالي، عام 1914، ناقشت الجامعة أول رسالة للدكتوراه يتقدم بها أحد طلابها، الطالب طه حسين الذي قدم رسالة عن الشاعر أبي العلاء المعري.
 كانت الرسالة نقطة تحول في مناهج الدراسة الأدبية في مصر، ورغم أن الجامعة احتفت بالرسالة وصاحبها، وقررت إيفاده إلى فرنسا للدراسة، فإن بعض الأزهريين هاجموا الرسالة والجامعة، وتقدم أحدهم وكان عضوا بالجمعية التشريعية باقتراح بقطع دعم الحكومة عن الجامعة الأهلية لأنها خرّجت ملحدا!! فما كان من سعد زغلول الذي كان رئيسا للجنة الاقتراحات بالجمعية إلا أن استدعى النائب وقال له إنه إن لم يسحب طلبه فسوف يقدم طلبا مقابلا بوقف دعم الحكومة للأزهر لأن طه حسين تعلم في الأزهر قبل أن يلتحق بالجامعة، فسحب النائب طلبه، وانتهت المشكلة، لكن معارك طه حسين من أجل حرية البحث العلمي وحرية الرأي والتعبير لم تنته، ومسار طه حسين ومسار الجامعة المصرية مساران لا يفترقان.
الدستور 9 يناير 2008

اغتيال الديمقراطية... من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات
اغتيال الديمقراطية
عماد أبو غازي
 قبل أن ينقضي عام 2007 حقق التحالف الإرهابي الأسود بين التطرف الديني والاستبداد نصرا جديدا باغتيال رمز من الرموز الساطعة للديمقراطية في العالم، بينظير بوتو، التي لا نظير لها كمعنى اسمها، بنظير التي ولدت في عام 1953 ابنة الجيل الذي تصور أن بمقدوره أن يغير العالم، الجيل الذي قاد حركات الطلاب اليسارية من مشرق الكرة الأرضية إلى مغربها في عام 1968، الجيل الذي ينتمي إليه بيل جيتس صاحب شركة ميكروسوفت أحد أهم من طوروا حضارة الموجة الثالثة التي نعيش في ظلالها، الجيل الذي كان يحلم في شبابه بعالم خالي من الحرب والعنصرية والفقر والظلم الاجتماعي، لكن بعد أربعين عاما من ثورة الشباب، هل تحقق الحلم أو شيء منه؟  ها هي زهرة من زهرات هذا الجيل تنتمي إلى عالمنا الثالث تغيب على يد الإرهاب الديني الذي يقف وراءه أيضا اثنان من أبناء جيلها.

 تنحدر بينظير بوتو من عائلة سياسية شهيرة من إقليم السند في باكستان، تماثل عائلة نهرو ـ غاندي في الهند، وقد ولدت بينظير بوتو في إقليم السند في 21 يونيو 1953، وتلقت تعليمها الجامعي في جامعتي أكسفورد ببريطانيا وهارفارد بالولايات المتحدة، واستمدت مصداقيتها كسياسية من تراث والدها ذو الفقار علي بوتو، الذي شغل منصب رئيس وزراء باكستان في أوائل السبعينات، وكانت حكومته إحدى الحكومات المدنية الديمقراطية النادرة في العقود الثلاثة التي أعقبت تأسيس الدولة أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، بل ربما في تاريخ باكستان السياسي كله.  لقد كانت فترات تولي حزب الشعب للحكم في باكستان استثناء في تاريخ من الاستبداد والانقلابات الدستورية، مثلما كان الحال مع الوفد المصري قبل انقلاب يوليو 1952، وحزب الشعب يشبه في توجهاته حزب الوفد المصري وحزب المؤتمر الهندي، إلا أنه أحدث منهما تأسيسا.
 ومنذ أسابيع قليلة مر العيد الأربعيني لحزب الشعب الباكستاني، فقد انطلق الحزب في مؤتمره التأسيسي الذي انعقد في مدينة لاهور الباكستانية يومي 30 نوفمبر و1ديسمبر 1967، ووفقا للمقال الذي كتبه الكاتب فخار زمان على موقع حزب الشعب على الإنترنت، فإن هذا المؤتمر التأسيسي كان المؤتمر الذي انتخب فيه السياسي الشاب ذو الفقار علي بوتو رئيسًا للحزب، ولم يكن قد بلغ الأربعين من عمره، وجمعت مبادئ الحزب بين الدعوة للديموقراطية الاجتماعية لتحقيق العادلة الاجتماعية، في مجتمع يعاني من أوضاع شبه إقطاعية، والديمقراطية السياسية التي تحقق المساواة بين المواطنين وتوفر لهم حقهم في المشاركة، في مجتمع عاش في ظل حكم عسكري ديكتاتوري لسنوات طويلة  منذ انفصال باكستان عن الهند الذي جاء بتخطيط استعماري قسم الأمة الواحدة إلى دولتين أصبحتا بعد حرب 1971 ثلاث دول: الهند العلمانية الديمقراطية التي لا تميز بين مواطنيها على أساس الدين، وباكستان الإسلامية التي غلب على عمرها الذي يناهز الستين الحكم الديكتاتوري العسكري تتخلله استراحات ديمقراطية قصيرة، وبنجلاديش التي تراوح بين الديمقراطية والاستبداد.
 لقد كان للحزب أربعة مبادئ أساسية استند عليها نضاله من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية: إن الإسلام عقيدة دينية، والديمقراطية الأساس السياسي للحزب، والديمقراطية الاجتماعية أو الاشتراكية مذهب الحزب الاقتصادي، وكل السلطة للشعب شعاره السياسي.
 لقد تولى حزب الشعب برئاسة بوتو الأب حكم باكستان عقب هزيمة بلاده في الحرب الهندية الباكستانية سنة 1971 وانفصال القسم الشرقي من الدولة تحت اسم بنجلاديش، وسقوط النظام العسكري الذي لم يأت لشعبه سوى بالهزائم والفقر وانتهاك حقوق الإنسان، وجاء حكم حزب الشعب مبشرًا بعصر جديد، لكن تحالف العسكر والمتطرفين الدينيين مدعومًا بمساندة أمريكية وتمويل خليجي نجح في الإطاحة بالديمقراطية في انقلاب عسكري بقيادة الجنرال ضياء الحق، واعتقل بوتو وأعدم بعد محاكمة غير عادلة سنة 1979 رغم كل مناشدات المجتمع الدولي بوقف تنفيذ الحكم.
 وكانت سنوات حكم ضياء الحق وزمرته العسكرية سنوات النمو والازدهار للتطرف الديني الذي يعاني منه العالم كله الآن وفي مقدمته باكستان نفسها، سنوات التحالف بين بؤر التطرف الديني والأجهزة الأمنية والاستخباراتية الباكستانية التي ساهمت مع دول عربية تحت الرعاية الأمريكية في تكوين منظمات جهادية إسلامية لضرب النفوذ السوفيتي في أفغانستان، لقد استحضر هذا التحالف العفريت وفشل إلى الآن في صرفه.
 لقد تعرضت الشابة بينظير بوتو وهي في العشرينات للاعتقال بعد الإطاحة بوالدها، كانت نموذجًا ملهمًا عندما كان جيلي في سنوات الشباب، تجلت صلابة وعناد بينظير بوتو أول ما تجلت لدى سجن الجنرال ضياء الحق لوالدها عام 1977 واتهامه بالقتل، ثم إعدامه بعد عامين. وسجنت قبيل إعدام والدها، وقضت أغلبية السنوات الخمس من سجنها في حبس انفرادي، وصفته بأنه كان شديدة القسوة، وخرجت من سجنها إلى المنفى، لكنها عادت إلى باكستان عام 1986، وتجمعت في استقبالها حشود جماهيرية ضخمة، وواصلت النضال إلى أن أصبحت رئيسة للوزراء بعد وفاة الجنرال ضياء الحق في انفجار طائرته عام 1988، وكانت فور انتخابها لأول مرة إحدى أشهر القيادات النسائية في العالم، وشغلت بينظير بوتو منصب رئيسة وزراء باكستان مرتين، الأولى ما بين عامي 1988 و1990، والثانية ما بين عامي 1993و1996، وفي الحالتين أقالها رئيس البلاد من منصبها بعد اتهامها بالفساد الذي لم يثبت عليها أبدًا، بل ظهرت تسجيلات لمكالمات تؤكد حدوث ضغوط على القضاة والمحققين لإدانتها.
 ومنذ أسابيع عادت بينظير إلى باكستان مرة أخرى من المنفى الاختيار على أمل استعادة الديمقراطية ومواجهة التطرف الديني، لكن التطرف كان أسبق إليها؛ وكما يقول بول رينولدس محلل هيئة الإذاعة البريطانية: "يعتبر اغتيال بنظير بوتو ضربة قاصمة، بل قد تكون قاضية، للآمال الدولية في أن تعيش باكستان حالة من الاستقرار، حيث زادت مخاوف انفجار الوضع في البلاد مرة أخرى".
 لقد كان مجرد وجودها حتى وهي بعيدة عن الحكم حرة تعارض أو سجينة خلف القضبان أو منفية خارج الوطن يعني أن هناك أمل، فما زال "حسها في الدنيا، لكن اليوم وقد غابت؛ غاب الأمل في إنقاذ باكستان ـ على الأقل ـ لسنوات من تحالف الإرهاب الديني والدكتاتورية العسكرية، والأمر لا يخص باكستان وحدها، بل يعم أمن العالم وأمانه، فباكستان قوة نووية، وترسانتها النووية خطر يهدد البشرية في ظل غياب الديمقراطية، وغياب القدرة على السيطرة على الإرهاب الديني.

الدستور 2 يناير 2008

الجمعة، 7 يوليو 2017

جامعة الحكومة... من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات
جامعة الحكومة
عماد أبو غازي
  في 12 ديسمبر 1923 تكونت لجنة من حسين رشدي باشا رئيس الجامعة وعبد الخالق ثروت باشا وأحمد لطفي السيد وكيلي الجامعة وستة أعضاء آخرين، واتفقت اللجنة على تسليم الجامعة لوزارة المعارف، وجاء هذا القرار في ضوء ثلاثة متغيرات جدت على الساحة في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أولها استمرار الأزمة المالية للجامعة المصرية وعجز إدارة الجامعة عن تجاوزها بعد نهاية الحرب خلاف ما كان متوقعًا، وثانيها التغيرات السياسية والاجتماعية التي أعقبت ثورة سنة 1919، والتي كان من نتائجها إعلان إنجلترا استقلال مصر من جانب واحد بمقتضى تصريح 28 فبراير 1922، وتحولت مصر إلى مملكة دستورية، وصدر دستور 1923، ومن هنا ظهر المتغير الثالث إعلان الحكومة عن نيتها إنشاء جامعة حكومية تتبع الدولة وتستكمل بها "المملكة المصرية" الجديدة مقومات استقلالها الشكلي، وخاصة وأن ملك البلاد هو أحمد فؤاد أول رئيس للجنة تأسيس الجامعة الأهلية وأول رئيس للجامعة نفسها.


 وكان استمرار رفض الحكومة الاعتراف بشهادات الجامعة الأهلية عنصرًا إضافيًا دفع المسئولين عن الجامعة يسرعون الخطى نحو دمج الجامعة الأهلية في الجامعة الحكومية التي كانت الدولة تخطط لإنشائها.
 وتم توقيع عقد التسليم الذي وقع عليه كل من أحمد زكي أبو السعود باشا وزير المعارف وحسين رشدي باشا رئيس الجامعة المصرية وجاء في هذا العقد:
 "نظراً إلي أن الجامعة المصرية طلبت إلي وزارة المعارف أن تقيد شهاداتها كالشهادات العالية التي تخول التوظف في الحكومة فأجابت الوزارة بأنه ليس في وسعها الاعتراف بالشهادة التي تمنحها الجامعة لخريجها بالكيفية المرغوبة ما دامت بعيدة عن الإشراف على الدراسة فيها، ولما كانت الوزارة مقترحة إنشاء جامعة أميرية فسيكون بالضرورة من بين أقسامها كلية للآداب قد تنافس كلية الآداب بالجامعة المصرية فإذا رأيتم تلافيًا لهذا التنافس ضم كلية الآداب بالجامعة المصرية إلي وزارة المعارف فإن النظام العام الذي يوضع للجامعة الأميرية سيكون شاملًا لها فتصبح نواة لقسم الآداب بها، ومتى تم هذا الضم شرعت الوزارة في فحص منهج الدراسة لهذه الكلية، ونظام الامتحان بها ليكون ذلك توطئة لتقدير درجة الشهادة التي تمنحها فإذا ما وافقت إدارة الجامعة على وجهة النظر هذه فإن وزارة المعارف مستعدة للنظر فيما يلزم لتحقيق هذا الغرض".
 وقد نشر الدكتور عبد المنعم الجميعي نص الاتفاق في كتابه المعنون "الجامعة المصرية والمجتمع 1908 ـ 1925" والذي صدر عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام قبل ربع قرن في العيد الماسي للجامعة المصرية، وقد تضمن هذا الاتفاق خمسة بنود وضعتها الجامعة المصرية الأهلية كشروط لاندماجها في الجامعة الحكومية:
 أولها وأهمها: "أن تكون الجامعة المصرية معهدًا عامًا محتفظة بشخصيتها المعنوية، وتدير شئونها بنفسها بكيفية مستقلة تحت إشراف وزارة المعارف كما هو الحال في جامعات أوربا".
 وقد سعت كل الحكومات الاستبدادية في العصر الملكي إلى خرق ذلك الشرط، خاصة حكومة إسماعيل صدقي في مطلع الثلاثينيات، كما أهدر إهدارًا تامًا منذ انقلاب يوليو 1952 وما زال مهدرًا، رغم إنه نصًا أساسيًا ضمن عقد اتفاق بين مؤسسي الجامعة والحكومة.
 أما الشرط الثاني وفقًا للاتفاق المبرم فقد نص على "أن تقوم الحكومة بإتمام النظام الحالي الذي لا يشمل سوى كلية في الآداب بأن تدمج في الجامعة مدرستا الحقوق والطب بعد تحويلهما إلى كليتين، وأن تضم إليها كلية العلوم، ويجوز أن تضم إليها كليات أخرى فيما بعد."
 وتناول الشرط الثالث أموال الجامعة والبالغ قدرها 46 ألف جنيه مصري ونص على ضرورة استخدامها في بناء مقر الجامعة احترامًا لشروط المتبرعين.
 ونص الشرط الرابع على أن تُحترم تعهدات الجامعة نحو أساتذتها وموظفيها، مع التأكيد على بقاء الدكتور طه حسين أستاذًا بكلية الآداب، الأمر الذي يكشف عن حرص مؤسسو الجامعة المصرية على حماية حقوق العاملين من أعضاء هيئات التدريس والموظفين والعاملين وعلى عدم المساس بها.
 وكان الشرط الخامس والأخير أن يكون من بين أعضاء مجلس إدارة الجامعة المصرية عضو أو أكثر في مجلس إدارة قسم الآداب بالجامعة الحكومية، وفي مجلس إدارة قسم العلوم، وفي مجلس إدارة الجامعة، وذلك في الدور الأول من التشكيل.
 وقد احتاج الأمر إلى عام ونصف العام كي يصدر الأمر الملكي بضم الجامعة الأهلية إلى الحكومة لتكون نواة لكلية الآداب بالجامعة الأميرية، وأن يكون وزير المعارف رئيسًا للجامعة بحكم وظيفته، يمثل الجامعة وينوب عنها في كل الظروف الرسمية، ويصدر عن البرلمان قانون إنشاء الجامعة المصرية الذي نص على اختصاص الجامعة بكل ما يتعلق بالتعليم في كلياتها، وعلى إدارتها لأموالها بنفسها، وتمتعها بشخصية معنوية مستقلة.

الدستور ديسمبر 2007

الخميس، 6 يوليو 2017

سنوات التأسيس... من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات 
سنوات التأسيس
عماد أبو غازي
 احتاج الأمر لعامين وعدة أسابيع بين أول اجتماع للجنة التأسيسية للجامعة وافتتاح الجامعة للدراسة، لقد استمرت اللجنة في عملها من أجل إنشاء الجامعة وتلقت الدعم المعنوي من الصحافة الوطنية، وتلقت الدعم المادي من قطاعات متزايدة من المصريين، حتى كان شهر ديسمبر من عام 1907، عندها وافق الخديوي عباس حلمي على أن يتولى الأمير أحمد فؤاد رئاسة لجنة تأسيس الجامعة المصرية.


 وفي عام 1908 تسارعت الجهود من أجل افتتاح الجامعة المصرية، فاجتمعت اللجنة الدائمة في 20 مايو لتضع اللائحة الداخلية لتنظيم شئون الجامعة وتقرير رسالتها وبيان أهدافها والتي جاء فيها:
 "الغرض من إنشاء هذه الجامعة هو ترقية مدارك وأخلاق المصريين على اختلاف أديانهم وذلك بنشر الآداب والعلوم... وستكون اللغة العربية دون سواها هي لغة التعليم في الجامعة، لتكون واسطة لنشر المعارف وترقية العلوم بين الناطقين بالضاد، ولكي ترقى اللغة العربية نفسها بهذه الوسيلة"...
  وتم تشكيل مجلس إدارة جديد للجامعة برئاسة الأمير أحمد فؤاد ضم بعض دعاة المشروع إلى جانب عدد من رجال التعليم والعلماء المرشحين للتدريس في الجامعة.


 ولكي يستكمل مشروع إنشاء الجامعة شكله القانوني قرر مجلس إدارته إخطار الحكومة المصرية بالمشروع وقرب ظهوره إلى حيز الوجود، وذلك من خلال خطاب موجه إلى رئيس النظار وناظر الداخلية، جاء فيه: 
 "وجدت في البلاد حركة فكرية عمومية لتأسيس جامعة مصرية وتشكلت لجنة لجمع اكتتابات ويسرني أن أعلن لعطوفتكم بأنه قد تم بفضل الله تأسيس هذا المعهد العلمي، وقد وضع للجامعة قانون كامل بانتظام أعمالها ودوام بقائها.. على أن الجامعة المصرية من الأعمال ذات النفع العام نظرًا للقاعدة الكبيرة التي تنشأ عن ذلك المعهد الجديد والخدمة عظيمة الشأن التي سيقوم بها للبلاد.."
 وفي 21 ديسمبر سنة 1908 افتتحت الجامعة المصرية وبدأت بدراسة التاريخ والآداب، وبدأت الجامعة المصرية نشاطها العلمي لأول مرة، بعد حفل افتتاح رسمي أقيم بقاعة مجلس شورى القوانين.


 وقد حضر الافتتاح الخديوي عباس حلمي وألقى فيه كلمة، كما تحدث في الحفل الأمير أحمد فؤاد رئيس الجامعة، وأحمد زكى باشا سكرتير عام الجامعة، وعبد الخالق باشا ثروت عضو مجلس إدارتها.
 وكانت خطبة عبد الخالق باشا ثروت في حفل الافتتاح ذات دلالة موضوعية إذ تحدث فيها عن أهمية اشتراك الأمة مع الحكومة في تأسيس الجامعة، كما ذكر أسباب تقدم التعليم في البلدان الأخرى وأرجعها إلى قيام الجمعيات بتأسيس دور العلم، وأشار إلى أن التدريس في الجامعة باللغة العربية، وإلى أهمية إرسال البعثات إلى الخارج حتى يقوم أعضاؤها بعد عودتهم بالتدريس في الجامعة، وقد وصف سعد زغلول في مذكراته كلمة عبد الخالق باشا ثروت بأنها كانت أفضل الكلمات التي ألقيت في الحفل.
ولم يكن للجامعة في أيامها الأولى مقر، فكانت المحاضرات تلقى في القاعات العامة مثل قاعة مجلس شورى القوانين، ونادي المدارس العليا ودار الجريدة، ويعلن عن أماكنها ومواعيدها يوميًا في الصحف، واستمر الحال على ذلك إلى أن نجحت إدارة الجامعة في استئجار سراي جانكليس التي تشغلها الجامعة الأمريكية الآن لتكون مقرًا للدراسة مقابل إيجار سنوي قدره أربعمائة جنيه.
وفي عام 1914 بدأت الجامعة تعاني من أزمة مالية أدت إلى طرد الجامعة من مقرها في قصر جانكليس لعجزها عن سداد زيادة الإيجار التي طلبها أصحابه.
 إلا أن المشروع لم يتوقف فقد مدت الأميرة فاطمة إسماعيل ابنة الخديوي إسماعيل يدها إلى الجامعة، فوقفت عليها أكثر من ستمائة فدان من أجود أراضى الدقهلية، ووهبتها قطعة أرض مساحتها ستة أفدنة بالجيزة لإنشاء دار جديدة للجامعة، ولم تقف هبات الأميرة فاطمة عند هذا الحد، بل تبرعت بجواهر وحلى قيمتها ثمانية عشر ألف جنيه لينفق ثمنها في إقامة مبنى جديد للجامعة، وانضم الأمير يوسف كمال إلي قائمة المتبرعين، وكانت له جهوده المشهورة في خدمة البحث العلمي والتعليم، فهو الذي دعم الجمعية الجغرافية المصرية، وهو الذي أسس مدرسة الفنون الجميلة في مصر، لقد تبرع الأمير بمبلغ من المال، وأوقف مئة وخمسة وعشرين فداناً من أراضيه في محافظة القليوبية على مصالح الجامعة المصرية.


 وفي 30 مارس سنة 1914 احتُفِل بوضع حجر الأساس لمباني الجامعة الجديدة في الجيزة، وألقى حسين رشدي باشا الذي حل محل الأمير أحمد فؤاد في رئاسة الجامعة خطبة جاء فيها:
"بالجانب الشرقي من القاهرة، قام الجامع الأزهر منذ ألف عام بالتقريب. فكانت منارته الشامخة ترسل البعثات إلى جميع الأرجاء، لتخليد علوم العرب وحضارة الإسلام، وها هي الجامعة الحديثة، ستقوم في هذا الزمان على الجانب الغربي من المدينة لنشر الآداب العربية، مرتبطة بالمعارف الغربية وهذان الصنوان سيتعاونان منذ الآن، على إرسال الأنوار على ضفتي النيل السعيد ـ من اليمين ومن اليسار ـ مما يعود على أهل الوادي بتمام النفع وكمال الفخار".


 ورغم بوادر انفراج الأزمة إلا أن اشتعال الحرب العالمية الأولى في أواخر سنة 1914 زاد من تعقد الأمور، فتعثر الموقف المالي للجامعة مرة أخرى، وظلت الأمور تتراوح بين أزمة وانفراج إلى أن قررت الجمعية العمومية للجامعة في مطلع العشرينيات دمجها في الجامعة الحكومية التي أعلنت الدولة عن عزمها على تأسيسها، وبهذا بدأت مرحلة جديدة في تاريخ التعليم الجامعي في مصر.
 ورغم الأزمات التي تعرضت لها الجامعة المصرية الأولى منذ بدأت نشاطها العلمي والتعليمي في 21 ديسمبر 1908 حتى تشكيل لجنة تسليمها لوزارة المعارف في 12 ديسمبر 1923 إلا أنها حققت إنجازات لا يستهان بها.
 لكن أهم هذه الإنجازات على الإطلاق، كان إثبات قدرة المصريين على الالتفاف حول المشروعات القومية ونجاحهم في تأسيسها بالجهود الأهلية.  لقد كان مجرد تأسيس جامعة مصرية يشكل تحديًا كبيرًا لقوى مختلفة في المجتمع تقف في وجه التقدم بالإضافة إلى ما شكله من تحدي لسلطات الاحتلال البريطاني، وقد نجحت تجربة التأسيس بغض النظر عنما حدث بعد ذلك طوال مئة عام!
الدستور ديسمبر 2007

الأربعاء، 5 يوليو 2017

ميت سنة جامعة... من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات
ميت سنة جامعة
عماد أبو غازي

 في هذا الشهر يبدأ الاحتفال بمئوية الجامعة المصرية، احتفال يستمر لمدة عام من ديسمبر 2007 إلى ديسمبر 2008 ذكرى مرور مئة عام على افتتاح الجامعة المصرية وبدء الدراسة بها في ديسمبر 1908، لتكتمل بها مؤسسات الثقافة في الدولة المصرية الحديثة بعد المتحف والمكتبة الوطنية والأرشيف القومي، وإذا كانت تلك المؤسسات الثلاثة قد بدأت بداية حكومية رسمية، فإن الجامعة بدأت أهلية خاصة واستمرت كذلك قرابة عشرين عامًا.
  فمنذ بداية النهضة المصرية الحديثة في القرن التاسع عشر دخل التعليم الحديث إلى البلاد جنبًا إلى جنب مع التعليم التقليدي الذي كان يمثله الأزهر، ففي عصر محمد على اتجهت الدولة إلى إنشاء المدارس العليا الحديثة، لكن الهدف منها كان قاصرًا على تخريج العناصر التي تحتاج إليها مشروعات محمد على فقط.
 ومع انهيار مشروع محمد على لبناء إمبراطورية عربية، بعد تحالف الدول الأوروبية والدولة العثمانية ضده، تراجعت كثير من أركان البناء الداخلي لدولته، ثم كان الانهيار الأكبر لمؤسسات التعليم الحديث في عصر حفيده عباس الأول، الذي يصفه المؤرخون بأنه عصر الرجعية والظلام.
 إلا أن القرن التاسع عشر في مصر كان زمنًا لمد والجزر، للنهوض والانكسار، للتقدم والتراجع، في كل مجالات الحياة المصرية، فسرعان ما عادت النهضة العلمية والتعليمية مرة أخرى في عصر إسماعيل، فدبت الحياة في المدارس العليا التي ظهرت في زمن محمد على، وأضيفت إليها مدارس جديدة، كانت دار العلوم الإضافة الأساسية التي شهدها عصر إسماعيل، فقد افتتحت في عام 1872، بهدف تخريج معلمين للعمل في المدارس المدنية، وقد جمعت دار العلوم بين تدريس علوم اللغة العربية وبعض العلوم الشرعية، وتدريس المعارف الأوروبية الحديثة فكانت نمطًا جديدًا من التعليم في مصر، لكن عصر إسماعيل انتهى بأزمة الديون وصعود الحركة الوطنية، والتدخل الأوروبي لعزل إسماعيل وتعيين ابنه توفيق بدلًا منه، وفي صيف 1882 بدأ الاحتلال البريطاني لمصر، وكانت نتائجه سلبية إلى ابعد الحدود على السياسة التعليمية في البلاد، فتراجع التعليم العام، وانخفض الإنفاق عليه إلى اقل من 1% من الموازنة العامة لمصر، وانخفض دور المدارس المهنية العليا وانخفضت أعداد المنتسبين إليها، كذلك تحول التدريس في كثير من تلك المدارس العليا إلى اللغة الإنجليزية بدلًا من العربية، وأصبح غالبية المدرسين فيها من الأجانب.
 وقبل أن تستقبل مصر القرن الجديد كانت بوادر الصحوة الوطنية تشرق على البلاد من جديد، أثرت هذه الصحوة على التعليم، ففي تسعينات القرن التاسع عشر أخذت عناصر الصحوة تتسع وتأخذ إشكالًا ايجابية من خلال الصحافة الوطنية ومظاهرات الطلاب ولمعت أسماء لجيل جديد من الوطنيين المصريين كان في مقدمتهم الزعيم مصطفي كامل، وكانت الحركة الوطنية المصرية باتجاهاتها المختلفة تدرك أن نمو المقاومة يعتمد على نمو الوعي وارتفاع مستوى التعليم ومن هنا بدأت الدعوة إلى إنشاء المدارس والى إقامة الكليات الجامعية الحديثة في مصر.

 جاءت البدايات الأولى لفكرة، إنشاء جامعة مصرية في عام 1894، من خلال تقرير كتبه يعقوب أرتين وكيل المعارف، والذي رأى أن المدارس المهنية العليا القائمة في ذلك الوقت لم تعد كافية، وإن البلاد في حاجة إلى كلية جامعة، وعندما استشعر معارضة سلطات الاحتلال البريطاني وعلى رأسها اللورد كرومر للفكرة توقف عن تجديد الدعوة لها.

جورجي زيدان
 لكن الدعوة تجددت مرة أخرى لإنشاء الجامعة المصرية على يد الصحفي والأديب جورجي زيدان، صاحب مجلة الهلال خلال عامي 1899 و1900. فقد نشر زيدان عدة مقالات في الهلال يدعو فيها إلى إنشاء مدرسة كلية مصرية توفر تعليمًا عاليًا حديثًا باللغة العربية داخل الوطن، بحيث لا يضطر المصريون للسفر إلى أوروبا.


 وتكررت الدعوة للفكرة مرة ثالثة في أكتوبر من عام 1904 في جريدة اللواء التي كان يصدرها مصطفى كامل مع اقتراب الاحتفال بالذكرى المئوية لتولى محمد على باشا لحكم مصر، حيث دعت اللواء إلى إنشاء كلية مصرية، وأوصت بتسميتها كلية محمد علي.
 ومنذ ذلك الحين تحركت الدعوة للاكتتاب الشعبي من أجل إنشاء جامعة مصرية، وفي شهور قليلة تجمع مبلغ ثمانية آلاف جنيه كنواة أولى للمشروع. ورغم العقبات التي وضعها الخديوي عباس حلمي في ذلك الوقت، ورغم المعارضة المستترة للمندوب السامي البريطاني اللورد كرومر فقد اتسعت الدعوة لإنشاء الجامعة المصرية، خاصة عندما انضم إلى الداعين للمشروع عديد من المفكرين على رأسهم الشيخ محمد عبده وقاسم أمين وأحمد فتحي زغلول وشقيقه سعد زغلول، كما تحمس للفكرة بعض أمراء الأسرة العلوية الحاكمة وفي مقدمتهم الأمير أحمد فؤاد الذي أصبح ملكًا فيما بعد، وأخته الأميرة فاطمة إسماعيل، وساند الدعوة عدد من الأعيان وكبار الملاك على رأسهم أحمد المنشاوي باشا من الغربية ومصطفى كامل الغمراوي بك من بني سويف.

مصطفى كامل الغمراوي بك
 وأخذت الفكرة تكتسب أنصارًا متزايدين في كل يوم فنشطت الدعوة لها في الصحف الوطنية، واتسعت حركة الاكتتاب، وعندئذ رأى البعض ضرورة عقد اجتماع للاتفاق على الخطوات العملية لتحويل الفكرة إلى حقيقة، وأبدى سعد زغلول الذي كان مستشارًا في محكمة الاستئناف في ذلك الوقت استعداده لعقد الاجتماع بداره، وفي يوم الجمعة 12 أكتوبر سنة 1906 التقى سبعة وعشرون من الداعين للمشروع في دار سعد زغلول واستقر رأيهم على تشكيل لجنة مؤقتة لمباشرة العمل على تنفيذ مشروع الجامعة المصرية، وتم اختيار سعد زغلول وكيلًا لرئيس اللجنة وقاسم أمين سكرتيرًا عامًا لها، وحسين سعيد أمينًا للصندوق، أما مقعد الرئاسة فقد ترك ليشغله أحد أمراء الأسرة العلوية الحاكمة، لتبدأ مرحلة جديدة في العمل من أجل إنشاء الجامعة المصرية.

الدستور ديسمبر 2007

الثلاثاء، 4 يوليو 2017

معمل التاريخ... من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات
معمل التاريخ
عماد أبو غازي
 مع ظهور الدول القومية الحديثة في العالم كانت كل دولة منها في حاجة إلى كتابة تاريخ قومي تستند إليه، ومن تلك اللحظة بدأ التاريخ يتحول من كتابة أدبية تعتمد على تسجيل الوقائع والمشاهدات وجمع حكايات القدماء إلى مجال معرفي يحاول أن يقتبس المناهج العلمية ويتخذها طريقًا لدراسة التاريخ وكتابته، وأصبحت الوثائق مادة خام يستخدمها المؤرخ في كتابة التاريخ، فنشأت الحاجة لتأسيس الأرشيفات القومية لتجمع الوثائق التاريخية وتتيحها للمؤرخين، الذين أطلقوا على الأرشيف اسم معمل التاريخ.
 وفي مصر بدأت رحلة الأرشيف القومي الحديث مع إنشاء الدفترخانة العمومية سنة 1829، ورغم أن حفظ الوثائق كان معروفًا في مصر منذ أقدم العصور إلا أنه كان حفظًا لأغراض العمل الإداري، ولم يظهر حفظ الوثائق بغرض استخدامها في كتابة التاريخ إلا مع ظهور الدولة القومية الحديثة.


 وقد كان الغرض من إنشاء الدفترخانة في بدايتها حفظ الأوراق والسجلات والدفاتر الناتجة عن نشاط دواوين الحكومة وفروعها في الأقاليم بطريقة منظمة، بحيث يمكن للقائمين عليها الوصول إلى محتوياتها بسهولة، وفي نفس الوقت توفير مكان آمن لها لا تتعرض فيه للسرقة أو الحريق، مثلما حدث عندما شبت النيران بديوان الكتخدا وأتت على جميع الدفاتر الموجودة به سنة 1820.
 وطوال القرن التاسع عشر صدرت عدة لوائح للدفترخانة كان آخرها سنة 1895، وقد طورت تلك اللوائح وظائف الدفترخانة، فبعد أن بدأت عملها كمجرد مكان لحفظ الوثائق الإدارية والمالية للدولة لأغراض العمل الحكومي، أصبحت مع نهاية القرن التاسع عشر تقوم بمهام الأرشيف القومي الحديث، بعد أن أضيف إلى اختصاصها حفظ الوثائق لأغراض البحث التاريخي والقانوني والعلمي والإحصائي، وقد تغير اسم الدار إلى دار المحفوظات العمومية ولا زالت تحمل هذا الاسم إلى الآن، وتتبع حاليا وزارة المالية، وتحتفظ بأنواع محددة من الوثائق، مثل: سجلات المواليد والوفيات، وملفات خدمة موظفي الدولة بعد إحالتهم إلى المعاش، ودفاتر الضرائب العقارية.
 وفي عام 1932، وبعد عشر سنوات من تصريح فبراير 1922 الذي تحولت مصر بمقتضاه إلى مملكة، أنشأ الملك أحمد فؤاد الأول قسم المحفوظات التاريخية بقصر عابدين والذي يعرف بين الباحثين بأرشيف عابدين التاريخي، وكان هدفه الأساسي من وراء ذلك توفير الوثائق للباحثين لكتابة تاريخ أسرة محمد علي، وضم ذلك القسم الوثائق التركية المحفوظة بالقصر إلى جانب الوثائق التي انتزعت من مجموعاتها الأرشيفية بدار المحفوظات العمومية، خصوصًا تلك التي تتعلق بمحمد علي والخديوي إسماعيل.


 وفي عام 1954 مع بداية العصر الجمهوري صدر قرار إنشاء دار الوثائق القومية التاريخية لتكون أرشيفًا قوميًا لمصر، وضمت وثائق أرشيف عابدين ووثائق أخرى من مجموعات دار المحفوظات، إلى جانب الوثائق التي تنتقل إليها من مجلس الوزراء ومؤسسات الحكومة المختلفة.
 ظلت الدار تعمل من قصر عابدين حتى سنة 1969 عندما انتقلت إلى القلعة، ثم منها إلى كورنيش النيل في مطلع التسعينيات، وتضم الدار ملايين من الوثائق المفردة والسجلات والدفاتر، التي تغطي الفترة من القرن الثاني عشر الميلادي حتى القرن الحادي والعشرين، وقد بدأ الآن الإعداد لإنشاء مبنى جديد للدار بالفسطاط في منطقة تعد لتكون مجمعًا ثقافيًا متكاملًا، وفي نفس الوقت يجري الإعداد لإصدار قانون جديد للوثائق المصرية يلائم التطورات العالمية في مجال الوثائق والأرشيف.
 وتقدم دار الوثائق القومية خدماتها للباحثين في مجالات التاريخ والآثار والوثائق والعلوم السياسية، كما تقدم أيضًا خدمات للجمهور الذي يحتاج إلى صور رسمية من الوثائق القديمة لاستخدمها في المنازعات القضائية.
 ورغم أن عمر دار الوثائق القومية تجاوز 50 عامًا، فإن الدار لا تضم كل الوثائق التاريخية المصرية، فالمجموعات المصرية موزعة بين أكثر من مكان ومؤسسة، حيث تحتفظ وزارة الأوقاف بعدة آلاف من وثائق الوقف التي ترجع أقدمها إلى أواخر عصر الدولة الفاطمية وأحدثها إلى النصف الأول من القرن العشرين، كما تحتفظ المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية واليهودية مثل الأزهر الشريف، وبطريركية الأقباط الأرثوذكس، ودير سانت كاترين، وحاخمخانة اليهود، ببعض وثائقها وهي وثائق ذات قيمة كبيرة في التعرف على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في مصر عبر العصور، ولا توجد قواعد محددة لإتاحته للجمهور.


 هناك كذلك الأرشيفات المتخصصة التي تحفظ أنواع ذات طبيعة نوعية خاصة من المواد الأرشيفية، مثل الخرائط التي تحتفظ بها مصلحة المساحة، وتقوم المصلحة بمهمة مزدوجة، فهي تنتج الخرائط وتحفظها في ذات الوقت، وتقدم خدمات نسخ الخرائط للجمهور بمقابل مالي، ومثل الرسوم المعمارية وتصميمات المباني الحكومية التي يحتفظ بها المكتب العربي الهندسي، ويعد المكتب العربي الهندسي شركة من شركات قطاع الأعمال الحكومي، يقوم بدور بيت الخبرة وفي نفس الوقت يعمل بمثابة أرشيف هندسي معماري، وترجع الجذور الأولى لهذا المكتب إلى القرن التاسع عشر، عندما تأسس ديوان الأبنية، ومثل المواد الفلكلورية التي يحتفظ بها المركز القومي للفنون الشعبية، والتي تشكل نواة لتأسيس أرشيف للفلكلور المصري.
 هناك كذلك الأرشيفات الصحفية، وأرشيفات للمواد المسموعة والمرئية، مثل الأرشيف القومي للسينما التابع لوزارة الثقافة والذي تواجهه عقبات كثيرة بسبب المشكلات القانونية والمالية، ومكتبات الأفلام والتسجيلات الصوتية في الإذاعة والتلفزيون، وهي تضم مواد وثائقية شديدة الأهمية.
 ومازال أمامنا طريق طويل لنستكمل أركان معامل التاريخ، أرشيفتنا القومية.

الدستور نوفمبر 2007

الاثنين، 3 يوليو 2017

مؤسسات الثقافة الحديثة وبناء الدولة القومية... من أرشيف مقالاتي القديمة

مخربشات
مؤسسات الثقافة الحديثة وبناء الدولة القومية
عماد أبو غازي
 عرفت مصر المؤسسات الثقافية الحديثة في القرن التاسع عشر، بداية من عصر محمد علي، ويرجع الفضل لعصره في وضع أسس الدولة المصرية الحديثة عمومًا، ومن بينها المؤسسات الثقافية، مثل: الأرشيف القومي والمتحف القومي والمكتبة القومية، والمؤسسات الثلاث تعد من أعمدة الدول القومية والأسس التي تقوم عليها، وقد أرتبط ظهورها في العالم بظهور تلك الفكرة، فكرة الدولة القومية، التي تستند إلى التاريخ دائمًا، سواء التاريخ الحقيقي أو التاريخ المختلق، ومن هنا كان احتياج الدولة القومية دومًا للأرشيف والمتحف والمكتبة لتؤسس لوجودها تاريخيًا، أو لتصنع لنفسها تاريخًا من العدم.

محمد علي باشا
 ففي عام 1829 أنشأ محمد علي كتبخانة لاستخدامه الشخصي واستخدام كبار رجال دولته بالقلعة، وفي نفس العام أنشأ ديوان الدفترخانة وجعل مقره بالقلعة أيضًا، وبعدها بسنوات تأسس أول متحف للآثار القديمة، وكانت تلك المؤسسات الثلاث نواة لأهم ثلاث مؤسسات ثقافية من مؤسسات الدولة القومية الحديثة في مصر: المتحف القومي والمكتبة القومية والأرشيف القومي.

رفاعة
 بدأت الدعوة لتأسيس المتاحف من رائد النهضة الفكرية في مصر في عصر محمد علي الشيخ رفاعة الطهطاوي، وكان ذلك بعد عودة الطهطاوي من باريس حيث كان محمد علي قد أوفده إمامًا دينيًا للبعثة فعاد حاملًا لأفكار التحديث، وبدأ يدعو للاهتمام بالآثار وإنشاء المتاحف لحفظها، وقد تأسس أول متحف لحفظ الآثار القديمة مع منتصف القرن التاسع عشر في أحد القصور بحي بولاق غرب مدينة القاهرة، وتنقل متحف الآثار في أكثر من موضع إلى أن استقر في مبناه الحالي بميدان التحرير بقلب العاصمة منذ مطلع القرن العشرين، وتوالى إنشاء المتاحف الأثرية والتاريخية والفنية والعلمية في مختلف المدن المصرية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، كما تحولت بيوت عدد من ساسة مصر وفنانيها ومفكريها إلى متاحف ومزارات ثقافية، وتتبنى وزارة الثقافة المصرية الآن مشروعين لمتحفين كبيرين: المتحف المصري الكبير بصحراء الهرم، ومتحف الحضارة المصرية بالفسطاط، وفكرة المتاحف التي تجمع التراث القومي وتحفظ الذاكرة التاريخية أو تصطنعها، تشكل مقومًا أساسيًا من مقومات أي دولة قومية، فالمتاحف شواهد على وجود تاريخ للأمة.
المتحف
 أما المكتبات فقد عرفتها مصر منذ أقدم عصور حضارتها، فقد كانت المكتبات تلحق بالمعابد والقصور في مصر القديمة، وفي العصر البطلمي تأسست مكتبة الإسكندرية القديمة التي تعد أكبر مكتبات العالم القديم، وفي الحقبة الإسلامية أنشأ الخلفاء الفاطميون دار الحكمة بالقاهرة لتنافس دور الحكمة في بغداد وقد أغلق صلاح الدين الأيوبي تلك الدار ودمر رصيدها من الكتب بعد إسقاطه الخلافة الفاطمية بسبب الخلافات المذهبية، حيث كان الفاطميون من الشيعة بينما كان صلاح الدين سنيًا مواليًا للخلافة العباسية في بغداد، وفي عصر المماليك ازدهرت المكتبات العامة الملحقة بالمدارس والمساجد وحوت عشرات الآلاف من المخطوطات في مختلف مجالات المعرفة، وقد استولى سليم الأول العثماني على كثير من تلك المخطوطات عندما احتل مصر ونقل تلك المخطوطات إلى استانبول، ولكن رصيد مصر من المكتبات تجدد إلى حد ما في العصر العثماني من خلال أوقاف الباشاوات العثمانيين البكوات المماليك وبعض كبار المشايخ والتجار من المصريين على المدارس والمساجد.
 وبعد أن تولى محمد علي باشا حكم مصر بسنوات قام بإنشاء مكتبة بمقر الحكم بالقلعة سنة 1829، كما أنشأ مطبعة بولاق ليدخل مصر عصر الكتاب المطبوع.
 لكن تلك المكتبات تختلف جوهريًا عن المكتبة القومية بمعناها الحديث، تلك المؤسسة التي تضم الإنتاج الفكري للأمة من الأمم بهدف توثيقه وإتاحته لأبنائها، جنبًا إلى جنب مع تراث الأمم الأخرى، ومشروع إنشاء مكتبة قومية مصرية على غرار المكتبات القومية الحديثة في أوروبا تحقق في عصر الخديوي إسماعيل؛ فقد تبنى علي باشا مبارك مدير المدارس مشروع إنشاء الكتب خانة الخديوية كمكتبة قومية لمصر وقد وافق الخديوي إسماعيل على الفكرة وأصدر قراره بإنشاء الكتب خانة الخديوية في 23 مارس سنة 1870، ضمت مجموعة كتب خانة القلعة والكتب والمخطوطات الموجودة بالمدارس والمساجد القديمة التابعة للأوقاف، ومكتبتي نظارة الأشغال والمعارف العمومية وما اشتراه الخديوي إسماعيل من مكتبة شقيقة الأمير مصطفى فاضل الذي أصبح قصره أول مقر للكتب خانة الخديوية كما ضمت بعض الرسوم الهندسية، وبعد ذلك بعض البرديات والمسكوكات، كما تلقت الدار مكتبات كاملة على سبيل الإهداء من بعض كبار جامعي الكتب والمخطوطات من أمثال العلامة أحمد زكي باشا، وتيمور وطلعت من رجال السرايا، كما تلقت الدار في عصور متتالية مكتبات خاصة من عائلات كبار مفكري مصر ومبدعيها على سبيل الإهداء، وضمت إليها مجموعات من مكتبات القصور الملكية.

دار الكتب
وفي عام 1899 وضع عباس حلمي الثاني حجر الأساس لمبنى دار الكتب ودار الآثار الإسلامية بباب الخلق وقد افتتح المبنى في عام 1903، وفتحت دار الكتب أبوابها للباحثين عام 1904، وألحقت بالدار مطبعة تخصصت في طبع كتب التراث والكتب الأدبية والتاريخية، وفي سنة 1927 تحول اسم الدار إلى دار الكتب المصرية، وفي سنة 1966 ضمت دار الكتب ودار الوثائق القومية في هيئة واحدة باسم هيئة دار الكتب والوثائق القومية، وسرعان ما أدمجت هذه الهيئة في عام 1971 في دار النشر الحكومية التابعة لوزارة الثقافة تحت اسم الهيئة المصرية العامة للكتاب، لتعيش أسوأ مرحلة في تاريخها، وقد استمر هذا الوضع حتى عام 1993 عندما عاد لهيئة دار الكتب والوثائق القومية كيانها المستقل، وقد أعيد مؤخرًا تجهيز مبنى الدار القديم بمنطقة باب الخلق بوسط القاهرة ليصبح متحفًا للوثائق والمخطوطات والمسكوكات والقطع الأثرية ونوادر المطبوعات من مقتنيات الدار.
 أما ثالث مؤسسات الدولة القومية في الثقافة، الأرشيف القومي فله رحلة أخرى.
الدستور نوفمبر 2007